Reading in العربية (Arabic) | Read in English
في السياسة الدولية، لا تكمن أهمية بعض الأحداث في حجم الضرر الذي تسببه، وإنما في المكان الذي تقع فيه والرسالة التي يمكن أن تحملها. ومن هذه الزاوية تحديداً تبدو الهجمات الأخيرة التي استهدفت منشآت النفط في مدينة الزاوية الليبية أكثر أهمية من مجرد حادث أمني جديد في بلد اعتاد منذ سنوات أن تكون منشآته الحيوية جزءاً من الصراع السياسي والعسكري.
فقد تعرض مجمع الزاوية النفطي لهجمات بطائرات مسيّرة أدت إلى اندلاع حرائق وأضرار في منشآت تخزين الوقود، الأمر الذي دفع المؤسسة الوطنية للنفط إلى التحذير من احتمال توقف عمليات المجمع إذا استمرت الهجمات. وحتى الآن لا توجد أدلة علنية حاسمة تثبت مسؤولية إيران، كما لم تعلن أي جهة بصورة موثوقة وقوفها وراء الهجمات. ولذلك فإن الحديث عن دور إيراني يجب أن يبقى في إطار الفرضية والتحليل، وليس الاتهام أو الاستنتاج القطعي.
لكن مجرد طرح هذه الفرضية يستحق التوقف عنده، لأن السؤال الحقيقي لا يتعلق بمصفاة الزاوية وحدها، وإنما بموقع ليبيا في خريطة الصراع الدولي الجديدة، وبما إذا كانت البنية التحتية للطاقة في شمال أفريقيا يمكن أن تتحول إلى جزء من لعبة الردع الإقليمية بين إيران والولايات المتحدة وحلفائها.
ليبيا، رغم أزماتها الداخلية وانقسام مؤسساتها السياسية والعسكرية، ليست دولة هامشية في الحسابات الدولية. فهي تمتلك أحد أكبر الاحتياطيات النفطية في أفريقيا، وتقع على الضفة الجنوبية للبحر المتوسط مقابل أوروبا، وتشكل نقطة التقاء بين أمن الطاقة والهجرة والأمن البحري والتنافس على النفوذ في شمال أفريقيا والساحل. ولذلك فإن أي اضطراب طويل في قطاع الطاقة الليبي لا يبقى بالضرورة شأناً داخلياً، خصوصاً عندما يتعلق بمنشأة استراتيجية مثل مصفاة الزاوية.
وهنا تبدأ الفرضية الأكثر إثارة للاهتمام.
إذا ثبت في المستقبل وجود صلة إيرانية مباشرة أو غير مباشرة بهذه الهجمات، فإن الهدف قد لا يكون المصفاة نفسها، ولا النفط الليبي، ولا حتى إلحاق خسارة اقتصادية كبيرة بليبيا. الهدف الأكثر أهمية قد يكون إرسال رسالة سياسية وأمنية إلى الولايات المتحدة وحلفائها مفادها أن المصالح الغربية لا تصبح محصنة لمجرد أنها تقع بعيداً عن ساحات المواجهة التقليدية في الخليج والشرق الأوسط.
هذه الفكرة تتوافق مع منطق الحرب غير المباشرة الذي أصبح أحد أهم عناصر الاستراتيجية الإيرانية خلال العقود الأخيرة. فالقوة في هذا النوع من الصراع لا تقاس فقط بعدد الصواريخ أو الطائرات، وإنما بقدرة الدولة على توسيع مساحة التهديد، وجعل خصمها مضطراً إلى التفكير في حماية مصالحه في مناطق أوسع بكثير من ميدان المواجهة الأصلي.
وبعبارة أخرى، إذا كانت الولايات المتحدة قادرة على حماية قواعدها وسفنها ومنشآتها العسكرية، فإن التحدي الحقيقي يتمثل في قدرتها على حماية شبكة المصالح الاقتصادية والطاقة والبنية التحتية المرتبطة بها في دول تمتد من الخليج إلى البحر المتوسط وأفريقيا.
وهنا تصبح ليبيا ذات قيمة استراتيجية خاصة.
فالدولة التي تعاني من الانقسام وضعف المؤسسات وتعدد القوى المسلحة توفر بيئة مختلفة تماماً عن الدول التي تملك مؤسسات أمنية مركزية قوية. في ليبيا، يمكن أن تقع عملية أمنية معقدة دون أن يكون من السهل تحديد الجهة التي تقف خلفها. ويمكن أن تتداخل الحسابات المحلية مع المصالح الإقليمية والدولية بحيث يصبح الفصل بين الصراع الداخلي والتدخل الخارجي مهمة شديدة الصعوبة.
وهذا تحديداً ما يجعل فرضية الحرب بالوكالة قابلة للنقاش.
فالقوة الخارجية لا تحتاج بالضرورة إلى إرسال جنودها أو الإعلان عن وجودها. يكفي أن تمتلك القدرة على توفير التكنولوجيا أو المعلومات أو التدريب أو التمويل لشبكة محلية قادرة على تنفيذ عملية محدودة، ثم ترك الساحة غارقة في الأسئلة والاتهامات المتبادلة.
لكن هنا أيضاً يجب ألا نقع في خطأ تفسير كل حدث ليبي باعتباره مؤامرة إقليمية. فالزاوية نفسها شهدت على مدى سنوات صراعات محلية مسلحة وتنافساً على النفوذ والموارد، كما أن المنشآت النفطية في ليبيا ظلت دائماً هدفاً مغرياً للقوى التي تريد الضغط على خصومها أو تحقيق مكاسب اقتصادية وسياسية.
ولهذا فإن التفسير المحلي لا يزال قوياً، وربما يكون هو التفسير الصحيح في النهاية.
لكن حتى في هذه الحالة، فإن السؤال الاستراتيجي لا يختفي، بل يصبح أكثر خطورة: لماذا أصبحت منشأة حيوية للطاقة في دولة تقع على المتوسط عرضة لمثل هذه الهجمات أصلاً؟
هذه النقطة هي التي يجب أن تثير اهتمام واشنطن والعواصم الأوروبية.
فالمشكلة بالنسبة إلى الغرب ليست فقط في معرفة هوية من أطلق الطائرة المسيّرة، وإنما في اكتشاف أن بيئة مثل ليبيا يمكن أن تسمح لأي جهة تمتلك التكنولوجيا والقدرة التنظيمية باستهداف منشأة استراتيجية وإحداث اضطراب يتجاوز حجم العملية العسكرية نفسها.
ومن هنا يمكن فهم أهمية الزاوية في المنافسة الأوسع بين القوى الدولية.
تركيا تمتلك نفوذاً سياسياً وعسكرياً واقتصادياً مهماً في غرب ليبيا، وروسيا تنظر إلى ليبيا باعتبارها جزءاً من حضورها الأوسع في البحر المتوسط وأفريقيا، بينما تراقب أوروبا الملف الليبي من زاوية الطاقة والهجرة والأمن البحري، وتزداد أهمية ليبيا بالنسبة إلى الولايات المتحدة في ظل التنافس على النفوذ والطاقة ومحاولات منع خصوم واشنطن من ترسيخ وجود استراتيجي طويل الأمد في المنطقة.
في مثل هذه البيئة، تصبح منشأة نفطية مثل الزاوية أكثر من مجرد منشأة اقتصادية. إنها نقطة تقع في تقاطع عدة مصالح دولية، ولذلك فإن تعطيلها يمكن أن يخلق آثاراً سياسية تتجاوز بكثير الخسارة المباشرة الناتجة عن احتراق خزان أو توقف جزء من عمليات التكرير.
فإذا تكررت الهجمات، فقد ترتفع كلفة التأمين على المنشآت النفطية، وتتراجع شهية المستثمرين، وتزداد الحاجة إلى استيراد الوقود، وتتأثر قدرة الدولة على إدارة إمدادات الطاقة، وفي النهاية يمكن أن تتحول هشاشة أمنية محلية إلى مشكلة إقليمية.
وهنا تكمن قيمة الطائرات المسيّرة في الحروب الحديثة. فهي لا تحتاج إلى احتلال منشأة ولا إلى السيطرة على مدينة. تستطيع طائرة صغيرة نسبياً أن تضرب هدفاً استراتيجياً، ثم تترك وراءها حالة من عدم اليقين والقلق السياسي والأمني.
إذا كانت إيران وراء العملية، فإن هذه ستكون بالضبط النقطة التي ينبغي أن تقلق واشنطن.
فإيران لن تكون بحاجة إلى السيطرة على ليبيا، ولا إلى إقامة قاعدة عسكرية فيها. قد يكون المطلوب فقط إثبات أن لديها، أو لدى شبكات مرتبطة بها، القدرة على الوصول إلى مصالح غربية في مناطق بعيدة عن مركز الصراع.
أما إذا لم تكن إيران وراء الهجمات، فإن المشكلة لا تصبح أقل خطورة بالنسبة إلى الغرب. على العكس، فقد يعني ذلك أن ليبيا أصبحت قادرة بمفردها، نتيجة ضعف مؤسساتها وتعدد مراكز القوة فيها، على إنتاج نوع من المخاطر التي يمكن أن تستغلها قوى إقليمية ودولية في المستقبل.
ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن ينتقل إلى مكاتب صانعي القرار في واشنطن وبروكسل ليس فقط: من يسيطر على ليبيا؟
السؤال الأهم هو: من يستطيع تعطيل ليبيا؟
فالسيطرة على دولة ليست دائماً شرطاً للتأثير فيها. أحياناً يكفي أن تملك القدرة على تعطيل النفط، أو تهديد الموانئ، أو استهداف خطوط الإمداد، أو خلق حالة مستمرة من عدم الاستقرار تجعل الشركات الأجنبية تعيد حساباتها.
وهذه هي طبيعة القوة في عصر الحروب الرمادية.
قد لا تحتاج الدولة إلى إرسال جيشها لكي تحقق هدفاً استراتيجياً، وقد لا تحتاج حتى إلى إعلان مسؤوليتها عن العملية. يكفي أن تثبت للخصم أن لديها القدرة على الوصول إلى نقطة ضعيفة في منظومته.
ومن هذه الزاوية يمكن النظر إلى الزاوية باعتبارها اختباراً محتملاً، وليس بالضرورة عملية إيرانية.
اختباراً لقدرة الدولة الليبية على حماية منشآتها الحيوية، واختباراً لقدرة الغرب على حماية مصالحه في دولة تقع على بعد مئات الكيلومترات فقط من أوروبا، واختباراً أيضاً لما إذا كانت الطائرات المسيّرة قد بدأت تفتح جبهة جديدة في المنافسة على الطاقة والنفوذ في المتوسط.
ستكون الأيام والأسابيع المقبلة حاسمة في قراءة المشهد. فإذا توقفت الهجمات، وظلت محصورة في نطاق الصراع المحلي، فسيكون من الصعب إعطاؤها بعداً إيرانياً. أما إذا استمرت واستهدفت بصورة منهجية خزانات الوقود وخطوط الأنابيب ومحطات الطاقة والموانئ والمنشآت النفطية الأخرى، فإن المسألة ستحتاج إلى قراءة مختلفة تماماً.
وإذا ظهرت في المستقبل أدلة تقنية أو استخباراتية تربط الأسلحة أو شبكات التشغيل بجهات إيرانية أو حلفاء إقليميين لها، فإن الزاوية ستتحول من حادث أمني ليبي إلى جزء محتمل من معادلة ردع أوسع بكثير.
حتى ذلك الحين، يجب التعامل مع الفرضية الإيرانية بحذر، لا بإهمال ولا بمبالغة.
لكن هناك حقيقة لا تحتاج إلى دليل إيراني لكي تكون واضحة: ليبيا أصبحت جزءاً من الجغرافيا الاستراتيجية للمتوسط، وأمن منشآتها النفطية لم يعد شأناً ليبياً خالصاً.
فإذا كانت الزاوية مجرد ضحية لصراع محلي، فإن ذلك يكشف هشاشة الدولة الليبية.
وإذا كانت ضحية لصراع إقليمي، فإن ذلك يعني أن ليبيا أصبحت ساحة جديدة في لعبة أكبر منها.
أما إذا ثبت أن الهجوم كان رسالة إيرانية إلى الولايات المتحدة، فسيكون المعنى أخطر بكثير: أن طهران استطاعت، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، أن تنقل مفهوم الردع إلى مسافة أبعد من ساحات الشرق الأوسط التقليدية، وأن تجعل منشأة نفطية على الساحل الجنوبي للمتوسط جزءاً من حسابات الصراع بين إيران والغرب.
عندها لن يكون السؤال الحقيقي: لماذا هوجمت الزاوية؟
بل سيكون:
هل بدأت إيران تقول لواشنطن إن الحرب لا تحتاج إلى أن تصل إلى طهران، لأن طهران قادرة على جعل مصالح واشنطن تصل إليها؟
وهذا، إن ثبتت صحته، سيكون تحولاً في طبيعة الصراع أكبر بكثير من الحريق الذي اشتعل في خزان نفطي ليبي.




