بين الانتخابات الإسرائيلية الاستراتيجية الثابتة
Spread the love

Reading in العربية (Arabic) | Read in English

«إن إرغام الفلسطيني على النزوح لا يعني فقدان المأوى فحسب، بل هو اقتلاع للجذور وضياع للذاكرة والهوية؛ فالبيت لم يعد مجرد مسكن، بل الشاهد الأخير على حياة تُدفن تحت الأنقاض. وعندما يصبح النزوح واقعاً متكرراً ومفروضاً في ظل انعدام مقومات البقاء والعيش في الخيام، فإن المأساة تتجاوز حدود المعاناة الإنسانية لتكشف عن جوهر هذا المسار: استخدام سلب الحياة اليومية كأداة سياسية لتفريغ الأرض وفرض التهجير كواقع لا مفر منه.»

تصاعدت وتيرة الممارسات الإسرائيلية والتصعيد العسكري في الأراضي الفلسطينية، وأصبحت تُستغل كأوراق رابحة في مواسم الدعاية الانتخابية لتجميع الأصوات وإرضاء الشارع اليميني عبر التصريحات النارية. لكن هذا التصعيد المتزايد لا يرتبط بوجود انتخابات من عدمه، بل يعكس مساراً سياسياً وأمنياً ثابتاً وممتداً، بغض النظر عن شكل الحكومة المقبلة أو هوية رئيسها؛ حيث يندرج ما يشهده قطاع غزة والضفة الغربية ضمن استراتيجية شاملة تهدف إلى إعادة رسم الخريطة الديموغرافية والأمنية.

غزة: التهجير المستمر وتفكيك المجتمعات

على الرغم من التوصل إلى اتفاقات لوقف إطلاق النار، يظل التهجير حاضرًا كخوف وقلق دائم لدى سكان غزة، ومسارًا مستمرًا يترجم عبر السلوك الميداني اليومي؛ ما يظهر عدم وجود رغبة حقيقية في إنهاء الأزمة الإنسانية، بل استخدام هذه المأساة والضغط المعيشي اليومي كأداة سياسية ضاغطة لتفكيك المجتمع الفلسطيني.

وفي هذا السياق، تأتي المشاريع المطروحة لإعادة هندسة جغرافية قطاع غزة وإعادة تنظيم مناطقه؛ حيث تُصمم بعض المقترحات على أساس عزل التجمعات السكانية وبناء مدن ومناطق سكنية جديدة، بما يعيد توزيع السكان ضمن مناطق منفصلة ويجعل أجزاء من القطاع أقل اتصالًا ببعضها البعض. إن هذا التقسيم الجغرافي، بالتوازي مع التعطيل المنهجي لإعادة البناء وحرمان الناس من الخدمات الأساسية، لا يستهدف فقط تفتيت النسيج الاجتماعي، بل يسعى إلى خلق واقع طارد يُفقد السكان أملهم في العودة إلى حياتهم الطبيعية، مما يحوّل الانتظار إلى عامل ضغط يدفع تدريجيًا نحو «الهجرة الطوعية»، وهي في جوهرها هجرة قسرية مُغلّفة بظروف معيشية لا تُطاق.

الضفة الغربية: الاستيطان والتفريغ التدريجي للمناطق

أما في الضفة الغربية، فيسير التهجير وفق نمط آخر يعتمد «التفريغ المباشر وغير المباشر». الإعلان المتكرر عن التوسع الاستيطاني، وشرعنة البؤر العشوائية، لا ينفصلان عن التضييق المالي، وهدم المنازل، واعتداءات المستوطنين اليومية. هذه الإجراءات تخلق بيئة طاردة للعيش، مما يضع العائلات أمام خيارات أحلاها مر: إما الصمود في ظروف مستحيلة، أو النزوح التدريجي، وهو ما يخدم هدف تغيير الخريطة الديموغرافية دون الحاجة لقرارات إخلاء جماعية علنية.

وفي هذا السياق، قال وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش، اليوم، إن حكومته «تحظى بشرف تصحيح أخطاء التهجير في شمال الضفة الغربية»، مضيفًا أنها «ستصحح قريبًا أخطاء التهجير في قطاع غزة أيضًا».

التنصل من التفاهمات الإقليمية وأثره على أمن المنطقة

يتجاوز هذا المسار السياسي الحدود الفلسطينية ليطال البيئة الإقليمية برمتها. إن التنصل من التفاهمات والاتفاقات في غزة ولبنان وسوريا، وتجاوز الضغوط أو الرغبات المعلنة للإدارة الأمريكية، يوضح أن الحسابات الاستراتيجية المتعلقة بالتغيير الديموغرافي والأمني تقدم على أي تفاهمات سياسية مرحلية. إن الاستمرار في عمليات الاغتيال والتصعيد دون الرضوخ للضغوط السياسية الدولية يظهر أن هذه السياسات ليست مناورة تكتيكية، بل هي مسار ثابت يستهدف إعادة تشكيل المعادلة الأمنية والديموغرافية في المنطقة ككل، وهو ما يحمل آثاراً عميقة طويلة الأجل على استقرار الإقليم.

بين الاستغلال الانتخابي والاستراتيجية الثابتة

إن استخدام الضغط الإنساني الحاد على تفاصيل الحياة اليومية للفلسطينيين – من غذاء ودواء وحرية حركة – يُوظّف بوضوح في السجالات الانتخابية لإظهار القوة الحازمة أمام الشارع الإسرائيلي. لكن حصر هذا السلوك في إطار «الدعاية الانتخابية» فقط يعتبر قراءة قاصرة؛ فالانتخابات ليست سوى واجهة مؤقتة تُغطي على خطة طويلة المدى تستهدف فرض واقع جديد يُصعّب أي فرصة لتطبيق حلول سياسية عادلة مستقبلاً.

في النهاية، قد توظَّف هذه السياسات في المواسم الانتخابية وتُرفع نبرة التصريحات خلالها، لكن ما يجري في غزة والضفة يتجاوز الانتخابات نفسها. فالحرب المستمرة في غزة، والتوسع الاستيطاني والتهجير التدريجي في الضفة، كلها تتواصل في ظل واقع يتغير على الأرض يومًا بعد يوم.

ولهذا، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في وقف موجة تصعيد أو تجاوز موسم انتخابي، بل في منع تحول هذا الواقع إلى أمر دائم، تصبح معه إعادة تشكيل الأرض والسكان حقيقة يصعب تغييرها لاحقًا.

التاريخ

عن الكاتب

المزيد من
المقالات