Reading in العربية (Arabic) | Read in English
في لحظة إقليمية تتشابك فيها المواجهات العسكرية مع الحسابات السياسية ، وتتراجع فيها فرص التهدئة تحت وطأة الخلافات المتصاعدة ، جاء تحذير وزير الخارجية الروسي ” سيرغي لافروف ” من المنامة ليضع الشرق الأوسط أمام صورة أكثر قتامة لمآلات التصعيد ، فالتوتر حول ” مضيق هرمز ” وتعثر التفاهمات ” الأمريكية الإيرانية ” والمخاوف المتزايدة على أمن الملاحة وإمدادات الطاقة ، كلها عوامل تجعل المنطقة أمام اختبار يتجاوز حدود المواجهة الثنائية ويمس توازنات الأمن الإقليمي بأكملها
وفي خضم هذه الأجواء حذر ” لافروف ” من احتمال انزلاق المنطقة مجددا إلى حرب واسعة ، داعيا إلى معالجة جذور الأزمة وطرح رؤية لمنظومة أمن إقليمي تشارك فيها دول الخليج وإيران وجيرانهما وفي مقدمتهم ” العراق والأردن ” بدعم من أطراف دولية فاعلة ، ولا تبدو كلماته هنا مجرد توصيف لخطر قائم بل رسالة سياسية تستحق التفكيك ، بسؤال يحمل ابعاد كبرى ، وهو : هل تسعى موسكو إلى احتواء انفجار تخشى اتساعه ؟ أم إلى إعادة رسم موقعها في معادلة الأمن والنفوذ في الشرق الأوسط؟ ، ففي السياسة الدولية لا تأتي التحذيرات الكبرى دائما من فراغ ، ولا تقرأ الكلمات الرسمية بمعزل عن توقيت إطلاقها والجهة التي تتبناها ، فحين تتحدث موسكو عن شبح ” الحرب الشاملة ” فإنها لا تنظر إلى المنطقة بوصفها مساحة جغرافية تعصف بها الأزمات والصراعات بل باعتبارها عقدة استراتيجية تتقاطع عندها ” طرق الطاقة ، وممرات التجارة ، وموازين الردع ، ومصالح القوى ” التي لا تتفق على تعريف الاستقرار بقدر ما تتنافس على امتلاك مفاتيحه
إن جوهر التحذير الروسي هنا يكمن في الإشارة إلى أن الحروب لا تبدأ دائما بقرار معلن بل قد تتشكل تدريجيا من سلسلة خطوات تبدو منفصلة ، ب : ضربة عسكرية محدودة ، ورد محسوب ، وتهديد يتجاوز غايته ، وتحرك بحري يرفع مستوى الاستنفار ، ثم حادث واحد يبدد المسافة المتبقية بين التهديد والانفجار ، وعندما تتراكم كل هذه الاحتمالات في منطقة مثقلة بالصراعات يصبح الخطأ في الحسابات أكثر خطورة من النيات المعلنة ، وتتحول محاولة فرض الردع إلى شرارة تفلت من أيدي أصحابها ، الا أن في هذه الإشارة للتحذير الروسي بعد اعمق ، فماذا تريد موسكو أن تقول خلف الكلمات ياترى ؟ ، فربما تريد التحذير من أن استمرار الضغط العسكري والسياسي على إيران أو توسيع المواجهة حول مضيق هرمز لن يبقى محصورا في حدود طرفين ، حيث أن اي اضطراب واسع في هذا الممر الحيوي قد يتجاوز أثره المنطقة بأكملها ليطال أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد والاقتصادات التي تعتمد على استقرار الملاحة ، فحين تصبح المصالح الدولية مهددة لا تعود الأزمة شأنا إقليميا خالصا بل تتحول إلى ساحة تتزاحم فيها التدخلات وتتضارب فيها الحسابات ، بالإضافة إلى ذلك ثمة رسالة أخرى تتصل بموقع روسيا نفسها ، فموسكو التي تسعى إلى تثبيت حضورها في النظام الدولي لا تفصل خطابها عن التنافس مع الولايات المتحدة على النفوذ وصياغة قواعد الأمن ، لذلك فإن دعوتها إلى ” منظومة أمن إقليمي ” لا تعكس بالضرورة رغبة مجردة في إطفاء الحرائق بل تحمل أيضا تصورا لدور روسي في هندسة التوازنات المقبلة ، فالسياسة لا تعرف المبادرات المجردة من المصالح ، كما أن المصالح لا تلغي بالضرورة إمكان الوصول إلى تفاهمات تمنع الكارثة
غير أن قراءة التحذير الروسي تظل ناقصة إذا عُزلت عن التحولات الأوسع في التفكير الاستراتيجي لدى القوى الغربية ، ففي ” بريطانيا ” تصاعدت خلال عام 2026 التحذيرات من تدهور البيئة الأمنية ومن أن مرحلة الاستقرار النسبي التي أعقبت الحرب الباردة لم تعد مضمونة ، كما وبرز في الخطاب الدفاعي البريطاني حديث عن عالم أقل أمنا وعن تراجع ما عُرف ” بعائد السلام ” بما يعكس انتقالا في النظرة إلى المخاطر ومتطلبات الاستعداد العسكري لما سيطرأ في العالم من صراعات حين تأتي ساعة الصفر ، ولا يجب من ذلك أن نغفل عن ما أدلى به مؤخرا قائد الجيش البريطاني رئيس الأركان العامة الجنرال ” السير رولي ووكر ” عندما قال : بأن زمن الأمن قد انتهى ، ودخلنا زمن الحروب ، وهي عبارة تختصر تحولا يتجاوز حدود التوقع العسكري إلى إعادة النظر في طبيعة العالم المقبل ، فحين يصدر تحذير من موسكو بشأن حرب إقليمية محتملة ويتصاعد في لندن خطاب يركز على عودة مخاطر الحرب إلى صدارة الحسابات الأمنية ، فإن التلاقي بينهما يكشف اتساع القلق من عالم تتراجع فيه ضمانات الاستقرار
وهنا تكمن المفارقة السياسية الدولية الكبرى ، فروسيا تحذر من انفجار قد يهدد مصالحها ومصالح المنطقة ، بينما تنظر المؤسسة العسكرية البريطانية إلى بيئة دولية تفرض من وجهة نظرها مزيدا من اليقظة والاستعداد ، فلكل طرف حساباته وأولوياته لكن اجتماع الخطابين في مشهد إقليمي ودولي واحد يثير سؤالا أعمق ، وهو : هل تتحول الحرب في وعي القوى الكبرى من احتمال ينبغي منعه إلى سيناريو يجري الاستعداد له باعتباره جزءا من المستقبل؟
فالاستعداد العسكري لما يلوح له ، لا يعني بالضرورة اتخاذ قرار بالحرب ، مثلما لا يعني التحذير منها أن اندلاعها أصبح حتميا ، الا أن الخطر يبدأ حين تدخل الدول في دائرة من الشك المتبادل فترفع إحداها مستوى جاهزيتها خشية خصمها ، ويقرأ الخصم تلك الخطوة تهديدا فيزيد استعداداته ثم تتراكم الإجراءات المضادة حتى يصبح التراجع أكثر صعوبة من التصعيد ، ليتحول عندها ” الردع ” الذي صُمم لمنع المواجهة إلى اختبار يومي للأعصاب ، وتصبح حادثة محدودة كافية لخلط الأوراق
ولا تكمن خطورة اللحظة الراهنة إقليميا في احتمال الحرب وحده بل في اعتياد المنطقة على الوقوف عند حافتها ، فحين يتكرر التهديد حتى يصبح جزءا من المشهد اليومي يفقد العالم حساسيته تجاه الخطر ، وتتحول الاستثناءات العسكرية إلى قواعد والتدابير المؤقتة إلى واقع دائم ، وعندما تتقدم لغة الاستعداد على لغة التسوية يصبح السلام أكثر ” هشاشة ” حتى في الفترات التي تخلو ظاهريا من المواجهات المباشرة ، فالشرق الأوسط اليوم لا يحتاج إلى إعلان جديد عن حجم أزماته بقدر حاجته إلى إرادة سياسية تكسر الحلقة التي تعيد إنتاجها ، فالأمن لا يبنى بإخضاع طرف أو بإدامة الخوف لدى آخر بل بتفاهمات تعترف بالمصالح المتبادلة ، وتحترم سيادة الدول وتمنع تحويل الممرات الحيوية إلى أوراق ضغط أو ساحات اختبار للقوة ، كما أن بناء منظومة أمن إقليمي لا يمكن أن ينجح ما لم تقم على مشاركة حقيقية وضمانات متبادلة وقنوات اتصال تمنع سوء التقدير من التحول إلى مواجهة مفتوحة
وبين شفرة ” لافروف ” و ” اليسر ووكر ” ، يبقى السؤال الذي ينبغي أن يشغل عواصم القرار ، هو : هل تستعد القوى الكبرى لعالم أكثر اضطرابا كي تمنع الحرب ، أم أن سباق الاستعداد نفسه قد يجعل العالم أقرب إليها؟ ، فالشرق الأوسط يقف أمام اختبار يتجاوز من سيربح الجولة المقبلة إلى سؤال أشد عمقا ، في : من يملك الشجاعة السياسية لإيقاف لعبة ” الحافة ” قبل أن يتحول التحذير من حرب محتملة إلى شهادة على كارثة كان بالإمكان تجنبها ؟ .




