Reading in العربية (Arabic) | Read in English
إحاطة هانا تيتيه أمام مجلس الأمن ومستقبل التسوية السياسية في ليبيا
بين محاولة تحريك الجمود وإعادة إنتاج الأزمة
لا يبدو أن المشكلة التي تواجه المسار السياسي في ليبيا تكمن في غياب المبادرات أو نقص التفاهمات، بقدر ما تكمن في عجز الأطراف عن تحويل ما تتفق عليه إلى واقع سياسي ومؤسسي جديد. فمنذ سنوات، تتعاقب المبادرات الأممية، وتتغير أسماء اللجان وأشكال الحوار، لكن النتيجة تبقى واحدة تقريباً: مؤسسات منقسمة، وسلطات تتنافس على الشرعية، وقوى سياسية تتعامل مع المرحلة الانتقالية باعتبارها وضعاً قابلاً للاستمرار، لا مرحلة يفترض أن تنتهي.
من هذا المنطلق، تكتسب إحاطة المبعوثة الأممية هانا تيتيه أمام مجلس الأمن في 14 أكتوبر 2026 أهميتها. فهي تأتي في وقت تحاول فيه البعثة البناء على اتفاق 4+4، وسط خلافات حول مدى تمثيله للأطراف الليبية، وحول الآليات التي ينبغي اتباعها لتنفيذ ما جرى التفاهم عليه. وفي الوقت نفسه، تتزايد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، بما يجعل استمرار الانقسام أكثر كلفة على الدولة والمواطنين.
المؤشر الأهم في هذه المرحلة ليس حجم الدعم الدولي للاتفاق، وإنما طبيعة الخطوات التي ستتخذها البعثة عندما تصطدم التفاهمات باعتراضات المؤسسات والقوى السياسية. فهنا تحديداً سيظهر ما إذا كانت الأمم المتحدة تسعى إلى بناء تسوية قابلة للاستمرار، أم أنها تحاول الوصول إلى نتيجة سياسية سريعة، حتى لو بقيت الأسباب التي أدت إلى فشل المبادرات السابقة قائمة.
4+4.. هل يكفي التفاهم بين الأطراف النافذة؟
يبدو أن البعثة الأممية تراهن على أن التفاهم بين مجموعة محدودة من الشخصيات القادرة على التأثير في المشهد الليبي قد يفتح الطريق أمام تسوية أوسع. وهذه المقاربة ليست جديدة في إدارة الأزمة الليبية؛ إذ غالباً ما جرى البحث عن حلول تبدأ من مراكز النفوذ، على أمل أن تتمكن لاحقاً من فرض التزاماتها على بقية الأطراف.
لكن التجربة الليبية أظهرت أن التوصل إلى تفاهم بين أطراف نافذة لا يعني بالضرورة قدرتها على إنتاج تسوية وطنية. فقد تتفق هذه الأطراف على بعض الترتيبات المتعلقة بالانتخابات أو المؤسسات، لكنها تختلف عندما تصل المفاوضات إلى توزيع الصلاحيات والموارد، أو عندما تشعر إحدى الجهات بأن الاتفاق يهدد موقعها في معادلة السلطة.
وهذه هي المعضلة التي تواجه اتفاق 4+4. فإذا كان الهدف منه فتح الطريق أمام الانتخابات، فمن الضروري أن تكون هناك إجابات واضحة عن القضايا التي تسبق الانتخابات وتحدد فرص نجاحها، وفي مقدمتها شكل السلطة التنفيذية، وحدود صلاحياتها، والقواعد التي ستجرى على أساسها العملية الانتخابية، والضمانات التي تكفل قبول نتائجها.
أما إذا اقتصر التفاهم على معالجة بعض نقاط الخلاف بين الأطراف المشاركة، مع ترك القضايا الأكثر حساسية إلى مرحلة لاحقة، فإن الاتفاق قد ينجح في تخفيف التوتر مؤقتاً، لكنه لن يكون كافياً لإنهاء الأزمة.
المشكلة، إذن، ليست في عدد المشاركين في الاتفاق، وإنما في طبيعة ما اتفقوا عليه، ومدى استعدادهم لتحمل كلفة تنفيذه. فالتسوية الحقيقية لا تقاس بقدرة الأطراف على التوصل إلى صيغة مشتركة، بل بقدرتها على التخلي عن بعض مصالحها عندما تتعارض مع متطلبات بناء الدولة.
المادة الخامسة.. توسيع المشاركة أم البحث عن مخرج؟
يمثل الحديث عن تفعيل آلية وطنية واسعة التمثيل، وفق المادة الخامسة من الاتفاق، تطوراً يستحق التوقف عنده. فهو يعكس، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، أن المسار الحالي يحتاج إلى قاعدة مشاركة أوسع حتى يتمكن من تجاوز الاعتراضات التي تواجهه.
لكن توسيع المشاركة ليس حلاً في حد ذاته. فليبيا شهدت العديد من الحوارات التي ضمت أعداداً كبيرة من الشخصيات السياسية والاجتماعية، من دون أن تنجح في إنهاء الخلاف حول السلطة أو وضع قواعد مستقرة للانتقال السياسي. وفي بعض الحالات، أدى تعدد المشاركين إلى زيادة عدد الأطراف القادرة على الاعتراض، من دون أن تتوافر آلية واضحة لاتخاذ القرار.
لذلك، فإن السؤال الأساسي يتعلق بما ستضيفه الآلية الجديدة إلى العملية السياسية. هل ستمنح الأطراف غير المشاركة في 4+4 فرصة حقيقية للتأثير في النتائج، أم ستقتصر مهمتها على توفير غطاء سياسي أوسع لاتفاق جرى التوصل إليه مسبقاً؟
الفرق بين الحالتين كبير. فإذا كانت الآلية تهدف إلى معالجة الاعتراضات وتوسيع قاعدة التوافق، فقد تكون خطوة ضرورية لإنقاذ المسار. أما إذا كانت مجرد وسيلة لتجاوز الخلافات القائمة من دون تسويتها، فإنها قد تفتح الباب أمام نزاع جديد حول شرعية القرارات التي ستصدر عنها.
ومن هنا، فإن نجاح البعثة في هذه المرحلة يتطلب وضوحاً بشأن صلاحيات الآلية، وطريقة اختيار المشاركين فيها، وعلاقتها بالمؤسسات القائمة. فالمشاركة التي لا تمنح أصحابها دوراً مؤثراً قد تزيد من الشعور بالإقصاء، بدلاً من أن تعالج المشكلة التي أنشئت من أجلها.
الخلاف مع المجلس الأعلى للدولة.. أزمة تتجاوز الأشخاص
الخلاف حول اتفاق 4+4 يكشف عن مشكلة أعمق في إدارة العملية السياسية الليبية، وهي غياب التوافق على الجهة التي تملك حق تحديد قواعد المرحلة الانتقالية.
تريد البعثة الأممية دفع العملية إلى الأمام، وتخشى أن يؤدي استمرار الخلافات إلى تعطيل أي فرصة لإجراء الانتخابات. في المقابل، تتمسك أطراف داخل المجلس الأعلى للدولة بضرورة عدم تجاوز الأطر القانونية والمؤسساتية التي تحكم العملية السياسية.
ولا يمكن التعامل مع هذا الخلاف باعتباره مجرد مواجهة بين بعثة دولية تسعى إلى الإنجاز ومؤسسة محلية ترفض التغيير. كما لا يمكن افتراض أن كل اعتراض يصدر عن المؤسسات القائمة يمثل دفاعاً عن الشرعية، لأن بعض المواقف قد تكون مرتبطة أيضاً بالحسابات السياسية ومخاوف فقدان النفوذ.
المطلوب هو التمييز بين الاعتراض الذي يستند إلى إشكال قانوني حقيقي، والموقف الذي يستخدم المسائل القانونية لإبقاء الوضع القائم. وفي المقابل، ينبغي ألا تتحول الرغبة في تسريع العملية السياسية إلى مبرر لتجاوز المؤسسات أو الانتقاص من دورها من دون اتفاق واضح على قواعد الانتقال.
إذا اتجهت البعثة إلى تجاوز المجلس الأعلى للدولة أو تقليص دوره بصورة تثير اعتراضات واسعة، فقد تنجح في دفع المسار إلى مرحلة جديدة، لكنها ستواجه صعوبة أكبر في ضمان قبول نتائجه. وإذا استمرت في انتظار توافق شامل يصعب تحقيقه، فقد تجد نفسها أمام جولة أخرى من المفاوضات المفتوحة.
ولهذا، فإن المسألة لا تتعلق بالانحياز إلى مؤسسة على حساب أخرى، وإنما بوضع قواعد تمنع استخدام الشرعية لتعطيل الحل، كما تمنع استخدام الحاجة إلى الحل لتجاوز الشرعية.
الانتخابات ليست نهاية الأزمة بالضرورة
ثمة ميل لدى الأطراف الدولية إلى التعامل مع الانتخابات باعتبارها المخرج الرئيسي من الأزمة الليبية. وهذا مفهوم من الناحية السياسية، لأن تجديد الشرعية عبر الاقتراع يمثل خطوة أساسية نحو إنهاء المرحلة الانتقالية. لكن المشكلة أن الانتخابات، في الظروف الحالية، قد تتحول إلى بداية نزاع جديد إذا لم يجر الاتفاق مسبقاً على شروطها ونتائجها.
فإجراء انتخابات في ظل انقسام مؤسسات الدولة، واستمرار تعدد مراكز القرار، وتضارب المصالح بين القوى السياسية والعسكرية، لا يضمن أن تقبل جميع الأطراف بنتائجها. وقد يكون الخلاف على السلطة بعد الانتخابات أكثر تعقيداً من الخلاف الذي سبقها، خصوصاً إذا فاز طرف لا تقبل الأطراف الأخرى بقدرته على إدارة الدولة أو السيطرة على مؤسساتها.
ولهذا، فإن المطلوب ليس الاكتفاء بالحديث عن موعد الانتخابات أو تعديل القوانين المنظمة لها، بل معالجة المسائل التي ستحدد إمكانية تنفيذ نتائجها. ومن بينها طبيعة الحكومة التي ستشرف على المرحلة، وصلاحياتها، والضمانات المتعلقة بحياد مؤسسات الدولة، وآليات التعامل مع أي خلاف حول النتائج.
كما أن تشكيل حكومة موحدة لا ينبغي أن يتحول إلى صفقة جديدة لتوزيع المناصب بين الأطراف نفسها. فالحكومة التي تأتي نتيجة تسوية هدفها الأساسي إرضاء القوى المتنافسة قد تكون قادرة على تخفيف التوتر، لكنها لن تكون بالضرورة قادرة على إدارة انتخابات نزيهة أو فرض سلطة الدولة.
والأخطر أن تتحول الانتخابات إلى هدف منفصل عن إصلاح مؤسسات الدولة. ففي هذه الحالة، قد تنتهي العملية إلى تغيير الأشخاص الذين يشغلون المناصب، مع بقاء قواعد توزيع السلطة والموارد على حالها.
الاقتصاد يضغط على السياسة.. لكنه لا يحسمها
تزداد أهمية البعد الاقتصادي في هذه المرحلة لأن استمرار الانقسام لم يعد محصوراً في المؤسسات ومراكز القرار، بل أصبح ينعكس بصورة مباشرة على حياة المواطنين. فتراجع قيمة الدينار، وارتفاع الأسعار، واختلال منظومة الدعم، واستنزاف الموارد العامة، كلها عوامل تزيد من حالة الاستياء وتضعف الثقة في السلطات القائمة.
كما أن استمرار تهريب الوقود وما يرتبط به من خسائر مالية يطرح أسئلة جدية حول قدرة الدولة على إدارة مواردها وحماية المال العام. فالمشكلة ليست في حجم الإنفاق الحكومي وحده، وإنما في طريقة توجيهه، ومدى خضوعه للرقابة، وقدرة المؤسسات على منع تحوله إلى أداة لتعزيز النفوذ السياسي والاقتصادي.
لكن من الخطأ الاعتقاد بأن تشكيل حكومة موحدة سيؤدي تلقائياً إلى معالجة هذه الاختلالات. فالإصلاح الاقتصادي يحتاج إلى قرارات قد تتعارض مع مصالح جهات استفادت لسنوات من الوضع القائم، سواء في منظومة الدعم أو في الإنفاق العام أو في إدارة بعض الأنشطة المرتبطة بالموارد العامة.
وهنا يظهر الترابط بين الأزمة السياسية والأزمة الاقتصادية. فالإصلاح المالي يحتاج إلى سلطة قادرة على اتخاذ القرار وتنفيذه، بينما يحتاج توحيد السلطة إلى توافق قد يتعطل بسبب المصالح المرتبطة بالموارد المالية.
ومن دون معالجة هذه العلاقة، قد يجري استخدام الملف الاقتصادي في الخطاب السياسي لتبادل الاتهامات، من دون الوصول إلى إصلاحات فعلية. وقد تتغير الحكومة أو تتبدل التحالفات، بينما يستمر المواطن في دفع ثمن الأزمة من دخله وقدرته على تلبية احتياجاته الأساسية.
ولهذا، ينبغي أن يكون تحسين الأوضاع المعيشية جزءاً من أي تسوية سياسية، لا وعداً مؤجلاً إلى ما بعد الانتخابات. فالمواطن الذي لا يرى تحسناً في حياته اليومية لن يجد في الاتفاقات السياسية سبباً كافياً لاستعادة ثقته بالعملية السياسية.
الموقف الدولي.. توافق على الهدف واختلاف في الحسابات
يوفر الدعم الدولي للمسار الأممي فرصة لتحريك الجمود، لكنه لا يضمن الوصول إلى تسوية مستدامة. فالدول المؤثرة قد تتفق على ضرورة إجراء الانتخابات والحفاظ على الاستقرار، لكنها لا تتعامل بالضرورة مع الملف الليبي من المنطلقات نفسها، كما أن علاقاتها بالأطراف المحلية قد تجعل مواقفها أكثر تعقيداً مما يظهر في البيانات الرسمية.
وتستفيد القوى الليبية المتنافسة من هذه التباينات، سواء عبر البحث عن دعم سياسي أو أمني أو اقتصادي، أو عبر توظيف علاقاتها الخارجية لتعزيز مواقعها في المفاوضات الداخلية. ولذلك، فإن أي تقدم في المسار الأممي سيظل معرضاً للتأثر بحسابات إقليمية ودولية تتجاوز أحياناً حدود الخلاف الليبي المباشر.
أما التلويح بإجراءات ضد الأطراف التي تعرقل التسوية أو تقوض الاستقرار الاقتصادي، فقد يرفع كلفة استمرار الانسداد، لكنه لن يكون كافياً وحده لدفع الأطراف إلى تغيير سلوكها. فالضغط الخارجي قد يجبر الأطراف على التفاوض، لكنه لا يستطيع أن يضمن قبولها بتنازلات تمس مصالحها الأساسية.
وتكمن أهمية المرحلة المقبلة في مدى قدرة البعثة على تحويل الدعم الدولي إلى موقف عملي متماسك، يربط بين الالتزامات السياسية والنتائج المطلوبة، ويتعامل مع التعطيل وفق معايير واضحة لا تختلف باختلاف الأطراف.
فإذا بقي الضغط الدولي في حدود البيانات والتحذيرات، فمن المرجح أن تتعامل معه القوى المحلية باعتباره عاملاً يمكن احتواؤه. أما إذا اقترن بخطوات سياسية واضحة، وضمانات لتنفيذ الاتفاقات، وموقف دولي أكثر اتساقاً، فقد يصبح عاملاً مؤثراً في حسابات الأطراف.
السيناريوهات المحتملة
السيناريو الأول: إنقاذ المسار عبر توسيع التوافق
قد تنجح تيتيه في توسيع المشاركة السياسية حول اتفاق 4+4، والوصول إلى تفاهمات بشأن القضايا التي لا تزال موضع خلاف. وسيكون هذا المسار أكثر قابلية للاستمرار إذا شاركت الأطراف المعترضة في صياغة الحلول، بدلاً من مطالبتها بقبول نتائج جاهزة. لكن نجاحه سيظل مرتبطاً باستعداد القوى النافذة لتقديم تنازلات حقيقية، لا مجرد قبول توسيع دائرة الحوار.
السيناريو الثاني: إعادة تشكيل المسار من دون تغيير جوهري في موازين السلطة
قد تتجه البعثة إلى آلية تفاوضية أوسع إذا تعذر التقدم داخل اللجنة المصغرة. وقد يؤدي ذلك إلى إعادة ترتيب العملية السياسية وتوفير غطاء أوسع للتفاهمات القائمة، لكن من دون تغيير فعلي في موازين النفوذ أو معالجة الخلافات الأساسية. وفي هذه الحالة، سيكون التقدم في شكل العملية أكبر من التقدم في مضمونها.
السيناريو الثالث: استمرار الجمود وتآكل الثقة
إذا استمرت الخلافات حول الشرعية وصلاحيات المؤسسات، وتعذر الاتفاق على الخطوات التنفيذية، فقد يبقى المسار الأممي قائماً من الناحية السياسية، من دون تحقيق نتائج ملموسة. ومع استمرار الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، قد تتراجع الثقة في المؤسسات وفي جدوى الحوار، بينما تحتفظ القوى القائمة بمواقعها وتواصل إدارة الأزمة بدلاً من حلها.
تقدير الموقف العام
تكشف إحاطة هانا تيتيه عن محاولة جديدة لدفع العملية السياسية الليبية إلى الأمام من خلال البناء على اتفاق 4+4، مع إبقاء خيار توسيع المشاركة الوطنية قائماً إذا تعذر تحقيق تقدم داخل الإطار الحالي. لكن الإحاطة، مهما حملت من رسائل سياسية، لا تعني أن الأطراف الليبية اقتربت بالضرورة من تسوية نهائية، ولا أن الدعم الدولي للاتفاق سيكفي لتجاوز الخلافات القائمة.
المشكلة الأساسية أن الأزمة الليبية لم تعد مجرد خلاف على موعد الانتخابات أو شكل الحكومة، بل أصبحت مرتبطة بتنافس طويل على السلطة والموارد، وبغياب قواعد مستقرة تحكم العلاقة بين المؤسسات والقوى المؤثرة في المشهد. ولهذا، فإن أي اتفاق لا يعالج هذه المسائل سيظل معرضاً للتعثر، حتى لو حصل على دعم دولي واسع.
ومن المرجح أن تحاول البعثة خلال المرحلة المقبلة الحفاظ على اتفاق 4+4، مع ممارسة ضغوط أكبر لتوسيع قاعدة المشاركة وتحويل التفاهمات إلى خطوات عملية. غير أن نجاح هذه المقاربة سيعتمد على مدى استعداد الأطراف للتعامل مع الاتفاق بوصفه مدخلاً لإنهاء المرحلة الانتقالية، لا فرصة لتحسين مواقعها داخلها.
وفي تقديري، فإن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تنجح القوى السياسية في التوصل إلى تفاهم جديد بشأن تقاسم السلطة، من دون أن تتغير طريقة إدارة الدولة أو العلاقة بين المؤسسات والموارد العامة. مثل هذه التسوية قد تمنح البلاد فترة من الهدوء، لكنها لن تزيل أسباب الأزمة، بل قد تؤجل انفجارها إلى مرحلة لاحقة، وربما إلى ما بعد الانتخابات نفسها.
في المقابل، فإن إفشال المسار الحالي من دون تقديم بديل عملي لن يخدم استقرار ليبيا، بل سيمنح القوى المستفيدة من استمرار الانقسام فرصة إضافية للحفاظ على مواقعها. لذلك، لا ينبغي أن يكون الاختيار بين قبول اتفاق 4+4 كما هو أو رفضه بالكامل، وإنما إخضاعه لاختبار جدي يتعلق بمدى قدرته على توسيع التوافق، واحترام الأطر القانونية، وضمان عدم احتكار القرار السياسي.
إن المخرج الواقعي يبدأ من تحديد مهام المرحلة الانتقالية وحدودها، ووضع ضمانات واضحة لإجراء الانتخابات وقبول نتائجها، وربط تشكيل السلطة التنفيذية بالتزامات محددة، بالتوازي مع إصلاحات اقتصادية تحمي الموارد العامة وتحسن الأوضاع المعيشية.
وفي النهاية، لا تحتاج ليبيا إلى مبادرة أخرى بقدر ما تحتاج إلى إنهاء الحلقة التي تجعل كل مبادرة فرصة جديدة لإعادة توزيع النفوذ. فالمعيار الحقيقي لنجاح تيتيه ليس قدرتها على جمع الأطراف حول طاولة واحدة، وإنما قدرتها على دفعهم إلى قبول قواعد مشتركة لا يستطيع أي طرف تغييرها لمصلحته عندما تتعارض مع حساباته السياسية. ومن دون ذلك، ستظل الانتخابات وعداً مؤجلاً، وستبقى التسويات السياسية محطات مؤقتة في أزمة لم تتغير قواعدها الأساسية.



