حين يخاف المتأسلم من السؤال أكثر مما يخاف من الله
Spread the love

Reading in العربية (Arabic) | Read in English

في كل مرة يفتح فيها إنسان عاقل نافذة للسؤال يخرج علينا بعض الراديكاليين من المتأسلمين وكأنهم حراس بوابة السماء يحملون مفاتيح الغيب في جيوبهم ويقررون من يحق له أن يفكر ومن يجب عليه أن يصمت هؤلاء لا يزعجهم الجهل بل يزعجهم العقل ولا يقلقهم الانحراف الأخلاقي بقدر ما يقلقهم سؤال بسيط يبدأ بكيف ولماذا وكأن أخطر تهديد للعقيدة ليس الإلحاد ولا الظلم بل التفكير

لو كان السؤال جريمة لكان أول من يوضع في قفص الاتهام هو موسى عليه السلام حين قال رب أرني أنظر إليك فهل كان موسى مشككا أم كان عاشقا للمعرفة متطلعا إلى مرتبة أعلى من اليقين أم أن بعض المتحمسين اليوم أغير على العقيدة من نبي كلمه الله تكليما يبدو أن منطقهم يقول نعم نحن أحرص من الأنبياء على حماية الله من أسئلة عباده

ولو كان طلب الفهم نقصا في الإيمان لكان إبراهيم عليه السلام موضع شبهة حين قال رب أرني كيف تحيي الموتى لكنه لم يسأل هل تحيي بل كيف تحيي والفرق بين هل وكيف هو الفرق بين إنكار الأصل وطلب الفهم ومع ذلك لم ينزل عليه بيان تأنيب من لجنة تحقيق عقائدية ولم يتهمه أحد بضعف اليقين بل جاءه الجواب تعليما وتطمينا لأن الإيمان في جوهره رحلة صعود لا محطة جمود

أما حين يروى عن محمد صلى الله عليه وسلم قوله نحن أحق بالشك من إبراهيم فإن العبارة تقرأ عند أهل الفقه واللغة على أنها تعليم بلاغي يقرر أن طلب الطمأنينة ليس طعنا في الإيمان لكن عند بعض الراديكاليين تتحول كل كلمة إلى ذريعة لإغلاق الباب في وجه أي عقل يحاول أن يتنفس كأنهم لم يدركوا أن النبي الذي علم أصحابه السؤال وقال إنما شفاء العي السؤال لم يكن يبني قطيعا بل كان يصنع أمة واعية

المفارقة الساخرة أن هؤلاء الذين يرفعون شعار الاتباع ينسون أن الاتباع في القرآن مقيد بالبصيرة وأن التقليد الأعمى كان دوما سمة الأمم التي انتقدها الوحي حين قالت إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون ومع ذلك يريدون إعادة إنتاج النسخة نفسها ولكن بعمامة أكبر وصوت أعلى

هم يتحدثون عن الخلافة والتمكين والهوية وكأنها كلمات سحرية بينما يغفلون عن أن أول تكريم للإنسان في النص القرآني كان تعليمه الأسماء أي منحه القدرة على الفهم والتصنيف والتحليل لم يقل النص إنه علمه الطاعة العمياء بل علمه الأسماء والفارق شاسع بين إنسان يعرف ويسأل ويتدبر وإنسان يردد دون أن يدرك

الراديكالي المتأسلم يخاف من السؤال لأنه يعرف في أعماقه أن سلطته قائمة على احتكار الفهم فإذا فكر الناس سقط الاحتكار وإذا سقط الاحتكار سقطت الهالة وحين تسقط الهالة يظهر الإنسان العادي الذي كان يختبئ خلف عبارات ضخمة لذلك فإن أسهل طريقة لحماية النفوذ هي تحويل كل سؤال إلى شبهة وكل نقاش إلى فتنة وكل اختلاف إلى خروج عن الجماعة

إنهم يرددون أن العقل محدود نعم هو محدود لكنهم يتناسون أنه مناط التكليف وأن غير العاقل غير مخاطب بالشريعة فكيف يصبح ما به نكلف خطرا على ما كلفنا به إن هذا التناقض لا يزعجهم لأنهم لا يناقشون الفكرة بل يديرون عاطفة الجماهير ويعرفون أن إثارة الخوف أيسر من بناء الحجة

في التراث الإسلامي نفسه قام علماء كبار ببناء مدارس كاملة على الجدل والنظر والاستدلال ولم يروا في ذلك خيانة للدين بل خدمة له ومن أبرزهم ابن رشد الذي أكد أن الحقيقة لا تضاد الحقيقة وأن العقل الصريح لا يعارض النقل الصحيح وأن التعارض إنما ينشأ من سوء الفهم لكن لو بعث اليوم في بعض البيئات لربما اتهم بالزندقة قبل أن يكمل جملته الأولى لأن منطقه يهدد السردية الجاهزة

السخرية الكبرى أن من يتهم الناس بالتشكيك هو نفسه الذي يشك في قدرة الدين على الصمود أمام السؤال لو كان واثقا من قوة حجته لفرح بالنقاش ولو كان مطمئنا إلى رسوخ العقيدة لاعتبر الحوار فرصة لا خطرا لكن القلق الدفين يظهر في صورة صراخ مرتفع وتحذيرات متتالية من التفكير وكأن العقول قنابل موقوتة

الدين الذي صنع حضارة لم يفعل ذلك لأنه درب أتباعه على ترديد الشعارات بل لأنه أطلق فيهم طاقة البحث والاكتشاف حين كان السؤال فضيلة والاختلاف رحمة والنقاش سبيلا إلى الفهم ازدهرت العلوم أما حين تحول الدين إلى هوية صلبة تخاف من المرآة انكمشت العقول وضاقت الآفاق

الراديكالي المتأسلم يريد إنسانا مطيعا لا مفكرا تابعا لا ناقدا يسمع ولا يسأل لأنه يدرك أن الإنسان الذي يفكر قد يسأله يوما عن سلطته وعن مصادر علمه وعن حدود فهمه وحينها لن تكفيه العبارات الرنانة ولن تنقذه نبرة الصوت العالية

إن الله حين أرسل الرسل لم يبعثهم ليصادروا عقول الناس بل ليوقظوها لم يبعثهم ليصنعوا قطيعا بل ليحرروا الإنسان من عبودية الإنسان ومن عبودية الخرافة ومن عبودية الخوف الإيمان في جوهره فعل حر ينبع من اقتناع لا من رهبة اجتماعية ولا من ضغط جماعي

ومن أراد دينا بلا سؤال فليختر لنفسه صنما جديدا لأن الصنم وحده هو الذي لا يحتمل الحوار أما الإله الحق فلا تهزه أسئلة عباده بل يهديهم من خلالها إلى يقين أعمق والأنبياء أنفسهم علمونا أن الطريق إلى الطمأنينة يمر أحيانا عبر سؤال شجاع لا عبر صمت جبان

لذلك فإن المعركة الحقيقية ليست بين إيمان وكفر كما يحب الراديكالي أن يصورها بل بين إيمان واع وإيمان موروث بين عقل يعمل وعقل معطل بين دين يثق في نفسه ودين يخاف من الضوء ومن اختار الطريق الأول فقد سار على خطى الأنبياء ومن اختار الثاني فليتحمل مسؤولية تحويل رسالة تكريم الإنسان إلى أداة لتدجينه والفرق بين المسارين ليس في كثرة الشعارات بل في شجاعة مواجهة السؤال دون خوف ودون وصاية ودون ادعاء احتكار الحقيقة

التاريخ

عن الكاتب

المزيد من
المقالات