Reading in العربية (Arabic) | Read in English
لم يعد الشرق الأوسط يعيش أزمة واحدة يمكن احتواؤها عبر مسار سياسي منفرد، ولا مجموعة من الأزمات المنفصلة التي يمكن إبقاء كل واحدة منها داخل حدودها الجغرافية. ما يتشكل في المنطقة خلال هذه المرحلة يبدو أقرب إلى إعادة ترتيب شاملة لقواعد الصراع والنفوذ، حيث تتداخل المواجهة مع إيران مع أمن الخليج، ويتصل اليمن بالبحر الأحمر، ويتحول مضيق هرمز إلى ورقة استراتيجية في صراع يتجاوز مسألة الملاحة، بينما تتحرك إسرائيل والإمارات والسعودية والولايات المتحدة ضمن شبكة متزايدة من الاتصالات الأمنية والسياسية التي تعكس طبيعة المرحلة الجديدة.
الشرق الأوسط الذي كان يعرف سابقاً كيف يفصل بين أزماته أصبح اليوم أمام مشهد مختلف تماماً. طهران ليست مجرد طرف في مواجهة مع إسرائيل والولايات المتحدة، واليمن لم يعد مجرد حرب داخلية، والبحر الأحمر لم يعد ساحة منفصلة عن الخليج، فيما أصبحت الممرات البحرية والطاقة والبنية التحتية الاقتصادية جزءاً من أدوات الصراع المباشر. وفي ظل هذا التشابك، يمكن لأي تطور محدود في إحدى الجبهات أن ينتقل بسرعة إلى جبهة أخرى، وأن يتحول حادث تكتيكي إلى أزمة استراتيجية واسعة.
في هذا السياق جاءت الزيارة السرية لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى أبوظبي ولقاؤه الشيخ محمد بن زايد في توقيت بالغ الحساسية. وبغض النظر عن التفاصيل التي أحاطت بالزيارة، فإن انعقادها في هذا التوقيت يحمل دلالة سياسية واضحة على أن الاتصالات بين إسرائيل والإمارات تجري في بيئة إقليمية مختلفة عن السنوات السابقة، وأن الأمن الإقليمي بات يحتل مساحة متقدمة في حسابات الطرفين. وفي الوقت نفسه، تزامن التحرك الإسرائيلي مع نشاط دبلوماسي سعودي وأمريكي واسع، ما يعكس أن عواصم المنطقة وواشنطن تتعامل مع المرحلة باعتبارها لحظة تحتاج إلى تنسيق مكثف، سواء كان الهدف هو الاستعداد للتصعيد أو محاولة احتوائه.
ولا ينبغي النظر إلى هذه التحركات باعتبارها دليلاً قاطعاً على ولادة تحالف عسكري ثلاثي متكامل بين إسرائيل والإمارات والسعودية، فلكل دولة حساباتها ومصالحها وحدودها السياسية. لكن ما يصعب تجاهله هو أن السنوات الأخيرة أنتجت شبكة من المصالح الأمنية المشتركة، خصوصاً في مواجهة التهديدات المرتبطة بإيران والحوثيين وأمن الممرات البحرية. وما كان في الماضي خطوطاً منفصلة بين دول متباعدة في مواقفها أصبح اليوم مساحة أوسع من التنسيق، حتى وإن بقيت الخلافات قائمة حول تفاصيل كثيرة.
هذا التحول يكتسب أهمية أكبر عند النظر إلى اليمن. فاليمن لم يعد قضية محلية يمكن عزلها عن البيئة الإقليمية، بعدما أصبح الحوثيون يمتلكون قدرة على التأثير في أمن الملاحة الدولية وتهديد السفن والممرات البحرية. وبذلك تحولت الجغرافيا اليمنية إلى عنصر أساسي في معادلة الأمن الإقليمي، وأصبح باب المندب أحد المفاتيح التي يمكن أن تستخدم في الصراع على مستوى أوسع.
أي عملية عسكرية كبيرة ضد الحوثيين لن تكون مجرد عملية تهدف إلى إضعاف طرف يمني مسلح، وإنما قد تتحول إلى مواجهة ذات أبعاد إقليمية، خصوصاً إذا رد الحوثيون بتوسيع نطاق عملياتهم، أو إذا دخلت إيران بصورة مباشرة أو غير مباشرة على خط المواجهة. ولهذا فإن اليمن يمثل اليوم واحدة من أكثر النقاط حساسية في المعادلة التي تربط الخليج بالبحر الأحمر بإيران.
في الجهة المقابلة، تتحرك الولايات المتحدة عسكرياً وسياسياً على قاعدة الاستعداد لسيناريوهات متعددة. القاذفات الأمريكية بعيدة المدى الموجودة في القواعد البريطانية، إلى جانب التحركات الجوية والبحرية الأمريكية، تعكس أن واشنطن لا تتعامل مع الصراع باعتباره أزمة سياسية محدودة. لكن الحشد العسكري لا يعني بالضرورة أن قراراً نهائياً بالتصعيد الشامل قد اتخذ، إذ يمكن أن يكون جزءاً من الردع، أو وسيلة لتحسين الموقع التفاوضي، أو استعداداً لتنفيذ خيارات عسكرية إذا فشلت الاتصالات السياسية.
وهذا التفصيل مهم، لأن الولايات المتحدة لا تحتاج في هذه المرحلة إلى إعلان الحرب حتى تستخدم القوة العسكرية كأداة سياسية. مجرد وجود القدرات العسكرية في مواقع متقدمة يرسل رسالة إلى الخصوم والحلفاء في الوقت نفسه، ويقول إن واشنطن تريد الاحتفاظ بالقدرة على التحرك السريع إذا تغيرت المعادلة.
لكن قلب الأزمة يبقى في مضيق هرمز.
لقد تحول المضيق من ممر ملاحي إلى واحدة من أهم أوراق الصراع الاستراتيجي. فإيران تدرك أن موقعها الجغرافي يمنحها قدرة على التأثير في حركة الطاقة العالمية، والولايات المتحدة تدرك أن السيطرة على حرية الملاحة في هرمز ليست مسألة إقليمية بحتة، وإنما قضية ترتبط مباشرة بالاقتصاد العالمي.
أهمية هرمز لا تقاس فقط بعدد ناقلات النفط التي تمر عبره، وإنما بما يمكن أن يحدث للأسواق إذا أصبحت الملاحة فيه شديدة الخطورة أو تعطلت لفترة طويلة. أسعار الطاقة، تكاليف التأمين، حركة التجارة، إمدادات الغاز، أسواق المال، وسلاسل الإمداد كلها تصبح عرضة للاضطراب بمجرد ارتفاع مستوى المخاطر في هذا الممر.
ومن هنا اكتسبت الرسائل الإيرانية حول هرمز أهمية استثنائية. طهران تحاول تثبيت معادلة مفادها أن الضغط عليها لن يكون من دون تكلفة على الآخرين، وأن أمن الطاقة الإقليمي والدولي لا يمكن أن يكون منفصلاً عن أمن إيران ومصالحها. وفي المقابل، ترى واشنطن أن إبقاء المضيق تحت ضغط عسكري وسياسي دائم يهدد مصالحها ومصالح حلفائها ويقوض أحد أهم خطوط التجارة والطاقة في العالم.
بهذا المعنى، لم يعد هرمز ملفاً منفصلاً عن البرنامج النووي الإيراني أو العقوبات أو المواجهة العسكرية، بل أصبح جزءاً من التفاوض على مستقبل العلاقة بين إيران والولايات المتحدة. وكلما ارتفع الضغط حول الملف النووي، زادت قيمة الأوراق الإيرانية المرتبطة بالممرات البحرية، وكلما ارتفعت مخاطر هرمز، زادت أهمية الخيارات العسكرية الأمريكية.
المفارقة أن الدبلوماسية لم تختف وسط هذا التصعيد، بل أصبحت تتحرك بالتوازي معه. الاتصالات غير المباشرة مستمرة، والوسطاء يحاولون إبقاء نافذة للحوار، فيما تبحث العواصم المختلفة عن صيغة تسمح بإعادة فتح مسار سياسي يمنع الانزلاق إلى حرب أوسع.
لكن الدبلوماسية الحالية ليست دبلوماسية من موقع هادئ، وإنما دبلوماسية تجري تحت ضغط القوة.
كل طرف يدخل إلى التفاوض وهو يرفع مستوى جاهزيته العسكرية، وكل طرف يريد أن يثبت للآخر أن لديه خيارات بديلة إذا فشلت المفاوضات. وهذا يجعل أي اتفاق محتمل أكثر صعوبة، لكنه في الوقت نفسه يجعل الحاجة إليه أكبر.
المشهد الحالي يختلف عن الأزمات التقليدية لأن الحرب والدبلوماسية لم تعودا مسارين متعاقبين، بل أصبحا مسارين متوازيين. الطائرات تتحرك بينما يتحرك الوسطاء، والقواعد العسكرية تستعد بينما تستمر الاتصالات، والخطاب السياسي يرتفع في الوقت الذي تبقى فيه قنوات الاتصال مفتوحة.
هذه البيئة هي الأكثر قابلية لسوء الحسابات.
قد تبدأ المواجهة بضربة محدودة، أو باستهداف سفينة، أو بهجوم على منشأة عسكرية، ثم يأتي الرد بصورة أقوى، ثم يأتي رد آخر، وتجد الأطراف نفسها داخل سلسلة من العمليات العسكرية التي لم يكن أي منها يخطط لها بوصفها حرباً شاملة.
وهذا هو الخطر الحقيقي الذي تواجهه المنطقة.
ليست المشكلة فقط في أن هناك أطرافاً تريد الحرب، وإنما في أن تعدد الجبهات وارتفاع مستوى التوتر قد يجعل الحرب نتيجة لتراكم القرارات بدلاً من أن تكون قراراً واحداً يتخذه طرف واحد.
إسرائيل ترى في إيران تهديداً استراتيجياً طويل الأمد، وإيران ترى في إسرائيل والولايات المتحدة مشروعاً يستهدف موقعها الإقليمي، والسعودية تريد منع امتداد الحرب إلى أراضيها ومنشآتها الحيوية، والإمارات تريد حماية مصالحها الاقتصادية والأمنية في بيئة إقليمية مضطربة، بينما تريد واشنطن الحفاظ على قدرتها على التحكم في مسارات الطاقة والملاحة وردع إيران.
هذه المصالح لا تتطابق بالكامل، لكنها تتقاطع في عدد متزايد من الملفات.
ولهذا فإن الحديث عن محور واحد مغلق بين إسرائيل والإمارات والسعودية لا يعكس كامل تعقيد المشهد. الأدق أن هناك تقاطعاً متزايداً في المصالح الأمنية، إلى جانب حسابات وطنية مختلفة لكل دولة. وقد تتعاون هذه الأطراف في ملف محدد، بينما تحافظ في الوقت نفسه على قنوات سياسية مع أطراف أخرى.
هذا النوع من العلاقات هو الذي يميز الشرق الأوسط الجديد. لم تعد التحالفات تقوم دائماً على صيغ ثابتة، وإنما أصبحت تقوم على تقاطعات مؤقتة ومصالح مشتركة وشبكات من التعاون الأمني والسياسي.
وفي قلب هذه الشبكة يقف اليمن.
فإذا توسعت العمليات العسكرية هناك، فإن باب المندب يمكن أن يتحول إلى جبهة بحرية مفتوحة، وإذا توسعت الهجمات الحوثية على السعودية، فإن الخليج يمكن أن يصبح جزءاً من المعركة، وإذا دخلت إيران بصورة مباشرة في المواجهة، فإن هرمز سيكون مرشحاً لأن يصبح ساحة مركزية، وإذا تعرضت المصالح الأمريكية أو الإسرائيلية لضربات واسعة، فإن الرد يمكن أن يتجاوز الحدود الحالية للمواجهة.
وهكذا تتحول الجبهات المتفرقة إلى منظومة واحدة.
هرمز يرتبط بالخليج، والخليج يرتبط بإيران، وإيران ترتبط بإسرائيل، وإسرائيل ترتبط بالولايات المتحدة، والولايات المتحدة ترتبط بأمن الممرات البحرية، والبحر الأحمر يرتبط باليمن، واليمن يرتبط بدوره بالخليج وإيران.
هذه السلسلة هي التي تجعل التصعيد الحالي مختلفاً عن أي أزمة إقليمية محدودة.
ففي السابق كان من الممكن احتواء أزمة في اليمن بعيداً عن هرمز، أو أزمة في الخليج بعيداً عن البحر الأحمر، أو مواجهة بين إسرائيل وإيران بعيداً عن أسواق الطاقة. أما اليوم فقد أصبحت هذه الملفات مترابطة بصورة تجعل الفصل بينها أكثر صعوبة.
حتى الاقتصاد دخل بصورة مباشرة في قلب المعادلة.
النفط والغاز والموانئ وشركات الشحن والتأمين وخطوط الأنابيب أصبحت جميعها جزءاً من الحسابات الأمنية. وكلما زادت المخاطر، ارتفعت كلفة الحرب حتى بالنسبة للدول التي لا تشارك فيها بصورة مباشرة.
وقد تكون هذه إحدى أهم نقاط التحول في الصراع الحالي، لأن القوة لم تعد تقاس فقط بعدد الصواريخ والطائرات والسفن، وإنما بقدرة الدولة على تحمل الآثار الاقتصادية والسياسية للحرب.
إيران تستطيع تهديد الملاحة، لكنها تعرف أن استمرار ذلك يفرض عليها أيضاً تكاليف كبيرة. إسرائيل تمتلك قدرة عسكرية متقدمة، لكنها تدرك أن اتساع الجبهات يرفع حجم المخاطر. الولايات المتحدة تمتلك قوة عسكرية هائلة، لكنها تعرف أن الحرب الطويلة في الشرق الأوسط لها تكلفة سياسية واقتصادية واستراتيجية. ودول الخليج تمتلك موارد وإمكانات كبيرة، لكنها تدرك أن استقرارها الاقتصادي يعتمد بدرجة كبيرة على استقرار الممرات البحرية والأسواق العالمية.
لهذا فإن الردع أصبح أهم من الانتصار العسكري.
كل طرف يحاول إقناع الآخر بأنه قادر على إلحاق أذى أكبر مما يمكن أن يتحمله، وفي الوقت نفسه يحاول تجنب الوصول إلى اللحظة التي يصبح فيها استخدام القوة أمراً لا يمكن التراجع عنه.
لكن الردع يفقد قيمته عندما يسيء طرف تفسير نوايا الطرف الآخر.
وهنا تحديداً تكمن خطورة المرحلة الحالية. فكل طرف يرى تحركاته دفاعية، بينما قد يراها الطرف الآخر تحضيراً للهجوم. كل طرف يرفع جاهزيته بهدف الردع، لكن خصمه قد يفسر ذلك باعتباره استعداداً للضربة الأولى.
هذه الحلقة هي التي صنعت كثيراً من الحروب في التاريخ.
ولذلك فإن الخطر الأكبر لا يأتي فقط من السلاح الموجود في المنطقة، وإنما من سوء قراءة نوايا الآخرين.
الشرق الأوسط اليوم يمتلك كل عناصر الأزمة الكبرى: جبهات متعددة، قوى إقليمية متنافسة، تدخل أمريكي مباشر، توتر إسرائيلي إيراني، صراع في اليمن، اضطراب في الممرات البحرية، وضغوط اقتصادية متزايدة.
لكن في الوقت نفسه لا تزال هناك عناصر يمكن أن تمنع الانفجار الكامل، وفي مقدمتها استمرار الاتصالات السياسية وإدراك جميع الأطراف لحجم الكلفة التي يمكن أن تنتج عن الحرب المفتوحة.
ولهذا فإن المرحلة المقبلة ستكون محكومة بمفارقة واضحة. الجميع يستعد للحرب، لكن الجميع يدرك أن الحرب قد تكون أكبر من قدرة أي طرف على التحكم في نتائجها.
ومن هنا يصبح الحديث عن حرب القيامة تعبيراً عن حجم المخاوف التي تحيط بالمنطقة أكثر من كونه وصفاً دقيقاً لما يحدث. الشرق الأوسط لا يقف بالضرورة أمام نهاية العالم، لكنه يقف بالفعل أمام نهاية مرحلة كاملة من التوازنات التي حكمت الإقليم خلال السنوات الماضية.
المرحلة القديمة كانت تقوم على إمكانية الفصل بين الأزمات، وعلى قدرة القوى الكبرى على إدارة التناقضات من خلال ترتيبات أمنية وسياسية متدرجة. أما المرحلة الجديدة فتقوم على تداخل الجبهات، وتداخل المصالح، وتداخل أدوات القوة نفسها.
الممر البحري أصبح ساحة سياسية، والطائرة أصبحت رسالة تفاوضية، والعقوبات أصبحت سلاحاً، والطاقة أصبحت ورقة ضغط، والتحالفات أصبحت أكثر مرونة، والحدود الجغرافية لم تعد قادرة وحدها على تحديد مكان الحرب.
وهذا هو التحول الأهم الذي يجب فهمه.
ما يجري ليس مجرد استعداد لجولة جديدة من الحرب، وإنما صراع على شكل الشرق الأوسط الذي سيأتي بعدها.
إذا نجحت الاتصالات السياسية، فقد تدخل المنطقة مرحلة تفاوض جديدة تعيد ترتيب العلاقة بين إيران والولايات المتحدة وتعيد تعريف أمن الخليج والبحر الأحمر.
وإذا فشلت، فإن تعدد الجبهات يجعل احتمال توسع المواجهة أكبر، ليس لأن جميع الأطراف تريد حرباً شاملة، وإنما لأن كل طرف يمتلك أدوات قادرة على إشعال جبهة جديدة إذا شعر أن أمنه أو مصالحه أصبحت مهددة.
وفي كل الأحوال، فإن الشرق الأوسط لن يخرج من هذه المرحلة كما دخل إليها.
حتى إذا توقفت العمليات العسكرية، فإن الثقة التي انهارت لن تعود بسهولة، والتحالفات التي تغيرت لن تعود إلى صورتها السابقة، وقواعد الردع التي أعيد اختبارها لن تستعيد شكلها القديم، والممرات البحرية التي تحولت إلى ساحات للصراع ستبقى جزءاً أساسياً من الحسابات الأمنية لعقود قادمة.
ولهذا فإن ما يحدث اليوم قد لا يكون حرب القيامة بالمعنى الذي تصفه لغة الإعلام، لكنه يحمل بالفعل ملامح نهاية مرحلة كاملة.
مرحلة كانت فيها الجبهات منفصلة، والتحالفات أكثر وضوحاً، والأزمات قابلة للاحتواء داخل حدودها.
أما الآن، فقد أصبحت الجبهات تتداخل، وأصبحت كل أزمة تحمل في داخلها احتمال الانتقال إلى أزمة أخرى، وأصبح الخليج والبحر الأحمر وهرمز وباب المندب واليمن وإيران وإسرائيل أجزاء من معادلة واحدة.
وفي مثل هذه اللحظات لا تبدأ التحولات الكبرى دائماً بإعلان الحرب.
أحياناً تبدأ بمجموعة من التحركات الصغيرة، وزيارات سرية، واتصالات خلف الأبواب المغلقة، وتحركات عسكرية، ورسائل متبادلة، ثم تتراكم جميعها حتى يصبح النظام القديم عاجزاً عن استيعاب الواقع الجديد.
والشرق الأوسط يبدو اليوم في تلك المنطقة بالضبط.
منطقة بين حرب لم تبدأ بعد بصورة شاملة، ونظام إقليمي قد انتهى بالفعل إلى حد كبير.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي في المرحلة المقبلة لن يكون فقط عن عدد الصواريخ التي ستطلق أو الطائرات التي ستتحرك، وإنما عن شكل الشرق الأوسط الذي سيخرج من هذه اللحظة التاريخية.
فالحرب، إن وقعت، لن تكون سوى إحدى أدوات إعادة تشكيل المنطقة.
أما التحول الأكبر، فقد بدأ بالفعل.



