
خلت عظة الأحد البطريركية، أمس، من الإشارة إلى حياد لبنان، واستعاض عنها غبطة البطريرك بشارة الراعي بالدعوة المشدَّدة إلى تدويل لبنان انطلاقاً من الاستحقاق الرئاسي الذي حمّل النواب مسؤولية عدم إجرائه إمّا لأنهم «لا يريدون»، وإما (وهنا الأخطر) «ليسوا أهلًا لانتخاب رئيس».. وفي الحالين، ولأنّ الشغور الرئاسي بالغ الخطورة بتداعياته، ذهب نيافة الكاردينال الراعي إلى القول بدعوة الأمم المتحدة إلى تدويل لبنان. وهو اتهم «الذين يُفشّلون الحلول الداخلية» بأنهم الذين يرفضون التدويل.
يوم أثار الراعي قضية الحياد انقسم القوم في الموقف من تلك الدعوة بين مؤيد متحمس ومعارض بقوة ومَن يقف بينهما مؤيّداً بتحفظ. ومع أن بكركي لم تتراجع عن الدعوة إلى الحياد فإنها ركنته جانباً، هذه المرة، وقال سيدها بالتدويل.
وفي منأىً عمّن هم مع هذه الدعوة وهم كُثُرٌ على كل حال، ومَن هم ضدّها وهم أيضاً كثيرون، فإن السؤال الذي يطرح ذاته بإلحاح هو: ما هو السبيل للتوجه إلى الأمم المتحدة، وبأي صفة، وما مدى تجاوب المنظمة الدولية مع المطلب في حال وروده إليها؟!. وإذا كان الإجماع الوطني ممكناً حول التدويل فمن باب أولى أن يكون متوافراً، ولو في الحد الدستوري الأدنى، على انتخاب رئيس للجمهورية. ونرجو ألا يُفهم من هذا الكلام أننا نتخذ موقفاً سلبياً، فقط نحن نوصّف الواقع اللبناني كما نرى إليه، علماً، أننا مقتنعون جداً بأن لبنان في أزمة حكم حقيقية، لا بد من معالجتها بجدية وعمق ومسؤولية وطنية عليا.
فهل ثمة مَن يشك لحظة واحدة في أن نظامنا بات عقيماً لا سيما مع طاقم سياسي وقيادي ذي فكرٍ أكثر عقماً وعجزاً عن إيجاد أي حل. بل الأكثر إن هذا الطاقم بات محترفاً فقط في ابتكار العراقيل وفي القدرة على إدخال البلاد والعباد في عنق الزجاجة، لنكرر هنا ما اعتدنا على قوله: إن هذه القيادات أطاحت مقومات لبنان واللبنانيين كلها، فهي تحوّل أي مسألة إلى قضية، وأي قضية إلى أزمة، وأي أزمة الى مأزق، وأي مأزق إلى احتمال… «خراب البصرة».
إنه زمن الرداءة والردة، وسيدنا البطريرك بشارة الراعي لا ينطق عن هوى، فهو يراعي دائماً وأبداً المصلحة الوطنية العليا، التي لا بد من الوصول إليها بالحوار التوافقي، وإلّا فليتحمل كل معاند مسؤوليته أمام الله وأمام الناس والتاريخ. فلبنان، اليوم، في أشد مراحل تاريخه دقةً وحراجةً، ما يجعل مصيره أرضاً ووطناً وشعباً في مهب رياح عاتية وعواصف هوجاء إذ لا قبطان ولا شراع، وربما لا يعود هناك مركبٌ!
The post شروق وغروب – بقلم خليل الخوري – بين الحياد والتدويل appeared first on جريدة الشرق اللبنانية الإلكترونيّة – El-Shark Lebanese Newspaper.



