Reading in العربية (Arabic) | Read in English
في الرابع والعشرين من كل عام، يستذكر الأرمن محطات حزينة ومؤلمة عن روايات الإبادة الارمنية (Genocide)التي قرأوا عنها أو شاهدوها، او أخبروها لهم أجدادهم فتعتصر قلوبهم من شدة الآلام. مجازر عنيفة خلقت جروحاً لا تندمل ولا يشفيها الوقت، بل تبقى كجرحٍ مفتوح في الذاكرة الجماعية التي أصبحت جزءًا أساسيًا من حياة الأرمن حتى يومنا هذا. يعبر الشعب الارمني العصامي والذي لا ينسى تاريخه وجذوره “ان هذا الجرح سيبقى ما لم يصل الحق إلى أصحابه، حق عمره من عمر الإبادة، سنظل نتذكر ونطالب، حتى يحين موعد الحقيقة والاعتراف.”
بدأت الإبادة الجماعية للأرمن في 24 نيسان 1915 خلال الحرب العالمية الأولى على يد الإمبراطورية العثمانية(وتحديداً من قبل حكومة “جمعية الاتحاد والترقي” المعروفة باسم “تركيا الفتاة”، مما يعني أنها مر عليها 111 عاماً بحلول نيسان 2026. وثِّقت هذه الأحداث كأول إبادة جماعية وعرقية ممنهجة، وواحدة من أوائل وأبرز المجازر الكبرى ضد الإنسانية في القرن العشرين. لم تكن حوادث عشوائية بل سياسة ممنهجة واساليب وحشية استهدفت محو الوجود الأرمني.
تشير التقديرات إلى أن الإبادة الجماعية للأرمن أودت بحياة ما يقارب مليون ونصف المليون شخص، من أصل نحو مليونين ومئة ألف أرمني، (وفق إحصاءات البطريركية الأرمنية في القسطنطينية لعام 1912). وقد كان الأرمن آنذاك يقيمون في مناطق ضمن حدود الدولة العثمانية التي كانت تمرّ بمرحلة تفكك وانهيار خلال تلك الفترة. بدأت هذه الأحداث باعتقالات واسعة لحوالي ٢٥٠٠ من النخبة الفكرية والسياسية والقادة في القسطنطينية (إسطنبول حالياً) ثم تم قتلهم وذلك لضمان عدم وجود أي مقاومة منظمة قبل البدء بعمليات التهجير القسري الجماعي.
أسفرت هذه الأحداث عن تطهير عرقي وتهجير قسري واسع النطاق، اذ صدرت أوامر بترحيل السكان الأرمن من أراضي الأناضول إلى الصحاري السورية (دير الزور) تم حينها تشريد من بقي على قيد الحياة، واخراجهم من منازلهم عنوةً وتهجيرهم من مدنهم وقراهم، وإجبارهم على السير لمسافات طويلة في ظروف قاسية وصعبة جداً نحو المجهول. سميت مسيرة التهجير هذه بقافلات الموت حيث قتل غالبية من هم في سن القتال إلى جانب الأطفال والنساء، كما تعرّضوا لهجمات من عصابات ولقي الآلاف كذلك حتفهم نتيجة الجوع والعطش والمرض. في مسيرة الموت، بعض العائلات كانت تختفي في الطريق دون أن يعودوا، والأمهات غالبًا فقدن أبناءهن. هكذا تفرّقت العائلات وتفكّكت في زحام القوافل، فقد كثيرون ذويهم وهويتهم، وبقوا تائهين يقضون حياتهم في البحث عنهم واستعادة جذورهم. كذلك فرّ الآلاف من الأرمن عبر البحر هرباً من المذابح، من الموانئ العثمانية إلى لبنان وسوريا ومصر، عبر البواخر والسفن اليونانية والفرنسية و توجهوا خصوصًا الى بيروت التي استقبلت لاحقًا موجات كبيرة من الناجين.
الا ان حسب كتب التاريخ مرّت هذه المذابح الارمنية بثلاث مراحل: فى الفترة من 1894 حتى 1896، مرحلة مذابح السلطان عبدالحميد راح ضحيتها 300 ألف أرمنى خلال مطالبتهم بالإصلاحات السياسية فى الدولة العثمانية، المرحلة الثانية في 1909 راح ضحيتها 20 ألف أرمني، والمرحلة الثالثة هى مرحلة الإبادة الكبرى فى 1915، وراح ضحيتها مليون ونصف، وتم تهجير من تبقى للخارج.
نقل من نجا منهم قصصهم لأبنائهم وأحفادهم، مما جعل الذاكرة الجماعية حاضرة حتى اليوم، تُعد قصص الأجداد الأرمن، وخاصة تلك التي تناقلتها الأجيال حول أحداث عام 1915، مزيجاً من مآسي الفقدان العظيم وقصص الصمود والنجاة اذ مارس الاتراك اشنع اساليب القتل والذبح والتنكيل والصلب وغيرها من الاساليب اللاانسانية في حق الارمن. عمليات إعدام جماعي رمياً بالرصاص أو ذبحاً بالسيف، اغراق جماعي بوضع مجموعات من الأرمن في قوارب ثم إغراقهم في البحر الأسود، قتل آلاف الرضع والنساء الحوامل عبر حقنهم بجرعات تسميم تحت مسمى ادوية و استخدامهم في تجارب طبية قاتلة، شق بطون الحوامل بالسيوف والحراب وانتزاع الأجنة وقتلها لضمان القضاء التام على النسل والهوية الأرمنية. كان ايضاً يتم إخفاء الصبيان فى ملابس فتاة، ويضعوا حلقا فى أذنهم، لأن الأتراك كانوا يقتلون الشباب الأولاد. هناك قصص مأساوية لا تعد ولاتحصى.
الى جانب المجزرة الجماعية مارس الاتراك سياسة محو تاريخ الارمن المسيحي بتحطيم الارث الثقافي الارمني والديني عبر تدمير الكنائس الكاتدرائيات والاديرة. كما خطفوا النساء والاطفال وأجبروهم على التخلي عن دينهم المسيحي ولغتهم الارمنية وتغيير دينهم للتحول الى الاسلام ليتلقوا تعليماً تركياً اسلامياً وتحويلهم الى اتراك. يروى ان كثيرين من نسوا عائلاتهم وهويتهم.
استعاد الأرمن كيانهم السياسي، فاستقلال أرمينيا مرّ بثلاث مراحل رئيسية، ففي عام 1918 أُعلنت أول جمهورية أرمينية مستقلة بعد الحرب العالمية الأولى، لكنها لم تستمر طويلًا، إذ سقطت عام 1920 ودخلت ضمن الاتحاد السوفييتي. ثم استعادت أرمينيا استقلالها الحالي، الحديث والحقيقي عام 1991 بعد تفكك الاتحاد السوفيتي. الا انها ، شهدت في الأعوام الأخيرة (2020-2023) انتكاسة حيث استعادت أذربيجان معظم المناطق في كاراباخ وسيطرت بالكامل على الإقليم مما أدى من جديد إلى تهجير السكان الأرمن منها.
حدثت عودة جزئية، خاصة بين 1946–1948 حيث عاد نحو 100–150 ألف ارمني إلى أرمينيا السوفيتية، وبعد 1991 عاد عدد محدود، لكن معظم الأرمن بقوا في الخارج بسبب الاستقرار الاقتصادي والسياسي هناك فاستقر الأرمن في دول استقبلتهم وبنوا حياتهم فيها. كما يُقدّر عدد الأرمن بـ 9–11 مليون عالميًا: حوالي 3 ملايين داخل أرمينيا وحوالي 6–8 ملايين في الشتات (روسيا، لبنان، سوريا، الولايات المتحدة، فرنسا)
ويطالب الارمن المجتمع الدولي بإنصاف هذه القضية وحضّ مرتكبيها على الاعتراف بالإبادة الارمنية، اذ ان تركيا ترفض حتى اليوم الاعتراف بها. الا ان أكثر من 30 دولة اعترفت بالابادة، من أبرزها الدول الاوروبية كفرنسا، ألمانيا… الولايات المتحدة، روسيا،كندا. كما اعترف بها أيضًا البرلمان الأوروبي وعدد من المنظمات الدولية.
لبنان يعتبر أول دولة عربية تعترف رسمياً بالإبادة الجماعية للأرمن، حيث أصدر البرلمان اللبناني قراراً بالاعتراف بها في عام 1997 أما بالنسبة لاستراليا فالحكومة الفيدرالية الاسترالية لم تعترف رسمياً بالإبادة حتى الآن لتجنب التوترات الدبلوماسية مع تركيا. ومع ذلك، هناك اعتراف على مستوى الولايات، ولاية نيو ساوث ويلز كانت السبّاقة في هذا الاعتراف ، حيث أصدر برلمان الولاية قراراً رسمياً يدين الإبادة الجماعية للأرمن في عام 2007 تلتها ولاية جنوب استراليا، فيكتوريا، وتسمانيا.
ترفض تركيا رسمياً مصطلح “الإبادة الجماعية” وتعتبره تهديداً للأمن القومي، حيث تقر فقط بوقوع ضحايا أرمن خلال الحرب العالمية الأولى. ورفضها يعود لعدة أسباب مختصرة، فالاعتراف بأنها إبادة سيؤثر سلبا على شعور الفخر بالهوية التركية، كما سيجبرها على تأمين تعويضات معنوية ومادية وإعادة أملاك تعد إرثاً للكنيسة الأرمنية. علاوة على ذلك، من أكبر مخاوف تركيا أن يؤدي الاعتراف بـ«الإبادة الجماعية للأرمن» إلى فتح المجال أمام دولٍ وجماعاتٍ أخرى لإحياء مطالب مماثلة، مما قد يثير مجددًا قضايا تاريخية تتعلق بمذابح ارتكبتها القوات العثمانية وما أكثرها: مذابح سيفو (الإبادة الجماعية للسريان والآشوريين والكلدان) التي تزامنت مع الإبادة الأرمنية خلال الفترة نفسها، مذابح الروم: (إبادة اليونانيين) والمجاعة الكبرى في جبل لبنان التي اودت الى مقتل نصف السكان.
اما تداعيات عدم المحاسبة التاريخية وعدم الاعتراف الدولي الشامل بـ الإبادة الجماعية، واستمرار تركيا في نفيها، قد شجع على نهج يتبنى “الإفلات من العقاب” في التعامل مع الأقليات والقضايا الإقليمية الحديثة، ومهد الطريق لارتكاب مجازر أخرى لاحقاً كالهولوكوست. يقول المؤرخون ان هتلر استلهم من الإبادة الأرمنية، مستشهدين بعبارته: «من يتحدث اليوم عن إبادة الأرمن؟ للدلالة على أن إفلات الجناة من العقاب قد شجّعه على المضي في سياسات إبادة ممنهجة لاحقًا.
في هذه الذكرى الاليمة من كل سنة يتذكر الارمن ويطالبون بإنصاف هذه القضية وفق القوانين الدولية وشرعة حقوق الإنسان، من خلال الاعتراف بالإبادة الجماعية الأرمنية، كما يُصرّون على أنّ هذه القضية لن تموت ما دامت هناك إرادة مستمرة للمطالبة بإحقاق الحق. وسيبقى الرابع والعشرون من نيسان شاهدًا يتكرّر، يوقظ الذاكرة ويصرخ بالحق حتى ينتصر.


