لا يوجد شيء مثل وجبة غداء مجانية
Spread the love

بقلم د. طالب سعد

(باحث في الاقتصاد السياسي والاجتماعي)

قد يبدو هذا العنوان غريباً على قارئ غير متخصص في علم الاقتصاد أو حتى على الطارئيين الجدد من دعاة أنهم «خبراء» في الاقتصاد من الذين يتناقلون الكلام نقلاً دون تحليل أو فهم أو مسؤولية. خاصة أن الأزمة اللبنانية انتجت وفرة في الكلام والكتابة واعطاء الرأي والتحليل، دون جمرك أو دولار جمركي تم استحداثه بتخلف عميق في بلد مدولر يتخطى ال 80% من تداوله النقدي بعملة لا قرار له بها ولا رأي.  فالإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي ومجالس الناس العامة والخاصة تحتاج لأن تملأ الفراغ الفكري اقتصادياً ومالياً واجتماعياً بمصطلحات ومفاهيم ومعتقدات لطالما اعتقد أصحابها أنها الحلول للمشكلة الاقتصادية وأنه بهذا المشروع أو تلك الخطة تعود ودائع المودعين، وتحل أزمة سعر الصرف وانهيار الليرة وتنفجر فقاعة التضخم ويعود الاستثمار والانتاج والنمو الاقتصادي إلى أبهى صوره.

وللوهلة الأولى تعلمنا في الأدبيات الكتابية أن لا نكون عدائيين أو على الأقل أن نتجنب عداوة الآخرين في الخطابة أو الكتابة، وهنا أقصد العداوة بمعنى الاختلاف الفكري وصولاً لمرحلة التأنيب. فالوضع الانساني والاجتماعي لم يعد يحتمل تلك التفاهة والبساطة في التعاطي مع أكبر أزمة مالية واقتصادية بتاريخ لبنان، وتعاطي جميع من تقع على مسؤولياتهم القيام بالحلول اللازمة للانقاذ، هو تعاطي أقل ما يقال عنه إما جاهل أم مقصود وممنهج.

لا يوجد شيئ مثل وجبة غداء مجانية، هذه الجملة هي احدى مقولات الاقتصادي الأميركي الشهير ميلتون فريدمان الذي توفي عام 2006 عن عمر يناهز ال 94 عاما، والذي غير الكثير من تفكير الحكومة الصينية في ثمانينات القرن الماضي، وغير معها الكثير من تفاصيل حياة ‹سكان السور العظيم›، وحياة الدول المعاصرة. فميلتون فريدمان، واضع نظرية ‹السوق الحر› ومناصر ‹تقليل دور الحكومات›.. شكل العمود الفقري للتفكير الاقتصادي في القرن العشرين، ولعب دور المؤثر الابرز في كيانات الدول المالية، وروج فكرة النظام الرأسمالي التنافسي. فكان موسوعة فكرية شرحت الاقتصادين الكلي والجزئي، ووضعت مفاهيم جديدة مثل اقتصاد السوق وتحليل الاستهلاك والتاريخ النقدي وسياسات التوازن. كما اثرت افكاره الاقتصادية بشكل كبير في سياسات الرئيس الاميركي الراحل رونالد ريغن ورئيسة الوزراء البريطانية السابقة مرغريت تاتشر، بطروحاته في الاستهلاك والسياسة النقدية وتحرير الاسعار. كما دافع عن حرية السوق في مواجهة تدخل الدولة في الاقتصاد ودعا الى تبني سياسة نقدية تتضمن نموا مطردا لمعروض النقود، وهي أفكار لعبت أدوارا محورية في فلسفات الحكم لتاتشر وريغن.

فمتى نبدأ في لبنان بحثاً اقتصادياً جدياً خارج عن المألوف والضجيج والتكرار والنقل، نعتمد فيه الكثير من تلك الأفكار ونقول للسلطة اللبنانية الحاكمة مالياً ونقدياً واقتصادياً: كفى.. توقفوا عن التخل السلبي والمضر، توقفوا عن الاستمرار بتهشيم القوى الفاعلة الفعلية للعمل والانتاج، فأنتم لا تقدمون أي وجبة غداء بشكل مجاني، ثمة من سيدقع ثمنها أضعافاً مضاعفة، بكل ما يرافقها من عمولات ورشاوى حتى يكاد يتذوقها الطاهي والمعد والبائع وعامل التوصيل، فتصل الوجبة إلى صاحبها علبة فارغة، تماما كما هي حسابات المودعين في دفاتر التوفير. فمن يربح من سعر الصرف اليوم، يخسر مقابله الآلاف من الناس، ومن يقوم بدعم السلع والخدمات، يؤدي إلى المساهمة بتهريبها، ومن يفرح بغاز البحر، يحمّل أعباؤه إلى الأجيال اللاحقة، ومن يعد الموازنات المتخلفة يطرد المستثمرين من البلد، ومن ينفخ القطاع العام بالوظائف غير المنتجة يزيد ويفاقم من مشكلة البطالة.

عزيزي القارئ، أنا مواطن أتشارك معك المأساة والأسف، وأستفيق كل يوم على نفس المشهدية والمهزلة والاستخفاف بنا كبشر لنا حق العيش بحرية وكرامة. فالفراغ سيد الموقف ، وصدقني لا أسف عليه، فكل مواقع القرار فارغة، تماما كبطون الفقراء، ومراكز الابحاث، ورؤية الثوار ودعاة التغيير. إنه الفراغ بكل شيئ وإنه حالياً أفضل شيئ… لعل اليقظة تأتي، فتستفز العقلاء والحكماء الصادقين ليشكلوا زخرا علمياً وفكرياً جديداً لاقتصاد قائم على التمويل بالنمو لا العجز، مقتنعين أن لكل وجبة غداء سعر مقابل ومن حق الجميع أن يعمل ومن حقه أن يأكل.

The post لا يوجد شيء مثل وجبة غداء مجانية appeared first on جريدة الشرق اللبنانية الإلكترونيّة – El-Shark Lebanese Newspaper.

التاريخ

عن الكاتب

المزيد من
المقالات