Reading in العربية (Arabic) | Read in English
من السهل أن نكتب عن فاطمة الزهراء المنصوري بوصفها أول امرأة تصل إلى رئاسة الحكومة في المغرب، وأن نتوقف طويلا عند القيمة التاريخية لهذه اللحظة. لكن هذه الزاوية، مهما كانت مهمة، لا تكفي لفهم المرحلة التي تبدأ الآن.
فالتاريخ سجل بالفعل أن امرأة مغربية وصلت للمرة الأولى إلى رئاسة الحكومة. أما السؤال الذي يبدأ اليوم فهو أكثر تعقيدا: ماذا ستفعل فاطمة الزهراء المنصوري بهذه الثقة التي وُضعت فيها، وكيف ستتعامل مع المسؤولية التي أصبحت أمامها؟
في 29 شتنبر 2026، استقبل صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، فاطمة الزهراء المنصوري بالقصر الملكي بالرباط، وعيّنها، بمقتضى الفصل 47 من الدستور، رئيسة للحكومة، وكلفها بتشكيل الحكومة الجديدة. ولم يكن هذا الاستقبال مجرد إجراء دستوري، بل شكل بداية مرحلة سياسية جديدة، تدخلها المنصوري بتكليف ملكي واضح وبانتظارات كبيرة من المواطنين.
والمنصوري نفسها، عقب الاستقبال الملكي، تحدثت عن رغبتها في اقتراح حكومة تكون في مستوى انتظارات جلالة الملك وجميع المواطنات والمواطنين، كما أشارت إلى التوجيهات السامية التي تلقتها بشأن تدبير المرحلة المقبلة.
وهنا تحديدا تبدأ القصة الحقيقية.
من مراكش إلى رئاسة الحكومة
وصول فاطمة الزهراء المنصوري إلى هذا الموقع لم يكن انتقالا مفاجئا من خارج السياسة. فقد راكمت خلال ما يقارب عقدين تجربة محلية وبرلمانية وحزبية وحكومية.
بدأ مسارها السياسي من مراكش، حيث ترأست المجلس الجماعي للمدينة بين 2009 و2015، ثم انتقلت إلى العمل البرلماني، قبل أن تدخل الحكومة سنة 2021 وزيرة لإعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة. كما تولت رئاسة المجلس الوطني لحزب الأصالة والمعاصرة، وتشغل منذ 2024 منصب منسقة القيادة الجماعية للحزب.
هذه الرحلة مهمة لأنها تجعلها تصل إلى رئاسة الحكومة وهي تعرف الدولة من أكثر من زاوية: من الجماعة والمدينة، إلى البرلمان، إلى الحزب، ثم إلى الحكومة.
وخلال وجودها في وزارة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، تعاملت مع ملفات تمس الحياة اليومية للمواطنين بصورة مباشرة، من السكن والتعمير وإعداد التراب إلى التنمية القروية وإعادة إعمار المناطق المتضررة من زلزال الحوز وبرامج دعم السكن.
وهذه التجربة لا تمثل مجرد بند في سيرتها الذاتية. فهي تجربة في كيفية انتقال القرار من مكتب الوزير إلى الإدارة، ومن الإدارة إلى الجماعات والمجالات الترابية، ثم إلى المواطن.

الآن، ستحتاج المنصوري إلى نقل هذه الخبرة من نطاق قطاع واحد إلى نطاق الحكومة كلها.
من وزارة إلى قيادة الحكومة
رئاسة الحكومة ليست مجرد وزارة أكبر.
الوزير يدير قطاعا محددا، بينما رئيس الحكومة مطالب بقيادة العمل الحكومي وضمان انسجامه، وتتولى الحكومة تحت سلطته تنفيذ البرنامج الحكومي وضمان تنفيذ القوانين، كما يترأس مجلس الحكومة الذي يناقش قضايا السياسة العامة والسياسات العمومية ومشاريع القوانين ومشروع قانون المالية وغيرها من الملفات الأساسية.
وتكمن صعوبة المهمة في أن الملفات الحكومية لم تعد منفصلة عن بعضها.
السكن مرتبط بالتعمير والنقل وفرص الشغل. والتعليم مرتبط بالاقتصاد وسوق العمل. والصحة مرتبطة بالميزانية والموارد البشرية والإدارة. والحماية الاجتماعية تحتاج إلى تمويل وإدارة فعالة واستهداف دقيق. أما الاستثمار، فلا يتعلق فقط بالمال، وإنما أيضا بالإدارة والقانون والبنية التحتية وسرعة اتخاذ القرار.
لذلك فإن التحدي الأكبر أمام المنصوري لن يكون في معرفة الملفات، بل في جمعها داخل رؤية حكومية واحدة، وترتيب الأولويات، ومتابعة التنفيذ، وتصحيح الاختلالات عندما تظهر.
من القرار إلى النتيجة
هذه ربما ستكون أصعب معادلة أمام الحكومة الجديدة.
فالمواطن لا يعيش داخل البرامج الحكومية، بل يعيش نتائجها.
قد تعلن الحكومة عن إصلاح في التعليم، لكن المواطن سيحكم عليه من خلال المدرسة التي يذهب إليها أبناؤه. وقد تعلن عن سياسة اجتماعية، لكن أثرها الحقيقي سيظهر في قدرة الأسرة على مواجهة تكاليف الحياة. وقد تطلق برنامجا اقتصاديا، لكن المواطن سيبحث في النهاية عن فرصة عمل أو استثمار أو خدمة إدارية أسرع وأكثر فعالية.
لهذا لن يكون السؤال أمام رئيسة الحكومة فقط: ماذا ستعلن؟
بل: ماذا ستنفذ؟ ومتى؟ وبأي موارد؟ وكيف ستقيس النتائج؟
وهنا تختلف رئاسة الحكومة عن المسؤولية الوزارية. فالمنصوري لم تعد مسؤولة عن سياسة قطاعية واحدة، وإنما ستصبح مطالبة بتنسيق عمل فريق حكومي كامل، ومتابعة تنفيذ الالتزامات الحكومية، والتعامل مع البرلمان والرأي العام، وتحمل المسؤولية السياسية عن أداء الحكومة.
ملفات ثقيلة على الطاولة

ستجد الحكومة الجديدة أمامها ملفات يعرفها المغاربة جيدا: القدرة الشرائية، التشغيل، التعليم، الصحة، الحماية الاجتماعية، السكن، الاستثمار، إصلاح الإدارة، الماء، الطاقة، التنمية الترابية وتقليص الفوارق بين المجالات.
لكن ثقل هذه الملفات لا يعني أن الحلول يمكن أن تكون فورية.
بعض الإصلاحات يحتاج إلى تشريع، وبعضها يحتاج إلى مراسيم وتنظيمات، وبعضها يحتاج إلى موارد مالية، وبعضها يتطلب سنوات حتى تظهر نتائجه كاملة.
ومن هنا تصبح الأولويات جزءا أساسيا من القيادة.
فالحكومة لا تستطيع أن تفعل كل شيء في الوقت نفسه، ولا تستطيع أن تتعامل مع جميع الملفات بالسرعة نفسها. وستكون قدرتها على تحديد ما يجب أن يتقدم، وما يحتاج إلى إصلاح تدريجي، وما يمكن تأجيله، واحدة من أهم الاختبارات السياسية أمامها.
ماذا ستفعل المنصوري بما تعلمته؟
ربما يكون هذا هو السؤال الأكثر أهمية في تجربتها الجديدة.

فالمنصوري لا تصل إلى رئاسة الحكومة وهي تكتشف للمرة الأولى كيف تعمل الدولة. لقد كانت جزءا من الحكومة، وواجهت ملفات معقدة في السكن والتعمير وإعداد التراب والتنمية القروية وإعادة الإعمار.
وقد أظهرت تجربتها الوزارية أن تنفيذ السياسات العمومية لا يتوقف على القرار السياسي وحده، بل يحتاج إلى إدارة فعالة، وموارد، وتنسيق بين المؤسسات، وتعاون مع الجماعات والفاعلين المحليين، وقدرة على التعامل مع التعقيدات القانونية والميدانية.
الاختبار الآن هو ما إذا كانت ستستطيع تحويل هذه الخبرة القطاعية إلى طريقة أكثر فعالية في إدارة العمل الحكومي ككل.
أول امرأة.. لكن ليس هذا كل شيء
لا يمكن التقليل من القيمة التاريخية لوصول امرأة لأول مرة إلى رئاسة الحكومة المغربية.
فالمنصوري تدخل بذلك صفحة جديدة في تاريخ المشاركة السياسية للنساء في المغرب، ويمكن أن يشكل وصولها إلى هذا الموقع محطة مهمة في جعل وجود النساء في مواقع القرار أمرا أكثر اعتيادا.
لكن اختزال تجربتها في كونها امرأة سيكون بدوره اختزالا لها.
فالمنصوري أصبحت، بعد تعيينها، أمام مسؤولية تتجاوز تمثيل النساء. أمامها مواطن يبحث عن عمل، وأسرة تواجه تكاليف المعيشة، وشاب يريد مستقبلا أفضل، ومريض ينتظر خدمة صحية، ومقاول يريد إدارة أكثر فعالية، وفلاح يواجه تحديات الماء، ومواطن يريد أن يرى أثر السياسات العمومية في حياته اليومية.
هذه هي المساحة التي ستُختبر فيها الحكومة الجديدة.
بين الثقة الملكية وانتظارات المغاربة
تبدأ المنصوري مهمتها في سياق يحمل بعدين متلازمين.
الأول هو الثقة الملكية التي عبّر عنها تعيين جلالة الملك محمد السادس لها وتكليفها بتشكيل الحكومة الجديدة، وما رافق ذلك من توجيهات للمرحلة المقبلة.
والثاني هو انتظارات المغاربة الذين ستكون النتائج الملموسة في حياتهم اليومية المقياس الأهم بالنسبة إلى أداء الحكومة.
والثقة هنا لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها تفويضا مفتوحا، وإنما باعتبارها مسؤولية تفرض العمل والنتائج والمساءلة.
فالمرحلة الجديدة لن تُقاس فقط بحجم الحدث التاريخي، وإنما بقدرة الحكومة التي ستشكلها المنصوري على تحويل التكليف إلى عمل، والبرامج إلى إجراءات، والإجراءات إلى نتائج.
رئيسة الحكومة داخل مؤسسات الدولة
وفي الوقت نفسه، فإن فهم مهمة المنصوري يحتاج إلى وضعها داخل الإطار الدستوري والمؤسساتي للمملكة.

رئيس الحكومة لا يعمل خارج مؤسسات الدولة، ولا ينفرد بكل القرار. فالدستور يحدد اختصاصات الملك، والمجلس الوزاري، والحكومة، ورئيس الحكومة، والبرلمان، وكل مؤسسة تعمل ضمن اختصاصاتها.
ولهذا فإن قوة رئيس الحكومة لا تقاس بامتلاك كل القرار، وإنما بقدرتها على قيادة العمل الحكومي داخل الاختصاصات التي يمنحها لها الدستور، وعلى التنسيق بين الوزراء، وضمان تنفيذ البرنامج الحكومي، ومتابعة الإدارة، والتفاعل مع البرلمان والرأي العام.
وهذا يجعل المرحلة المقبلة اختبارا للقدرة على الحكامة والتنسيق والتنفيذ أكثر مما هي اختبار للخطابات.
من «الأولى» إلى المسؤولة
بعد فترة قصيرة، ستتراجع عبارة «أول امرأة» من مقدمة الأخبار.
ستبدأ ملفات الحكومة، وستتواصل مشاورات تشكيلها، وسيظهر البرنامج الحكومي، وسيبدأ البرلمان في مساءلة الحكومة، وستصبح القرارات اليومية والميزانية والتنفيذ والإصلاحات هي العناوين الأساسية.
وهنا ستظهر فاطمة الزهراء المنصوري لا باعتبارها رمزا تاريخيا فقط، وإنما باعتبارها رئيسة حكومة تحمل تكليفا ملكيا ومسؤولية سياسية أمام المؤسسات وانتظارات المواطنين.
التاريخ سجل أنها أول امرأة تصل إلى هذا المنصب.
لكن السياسة لا تتوقف عند تسجيل الأسبقية.
بعد لحظة «الأولى» تبدأ مرحلة المسؤولية. وبعد الاحتفال يبدأ العمل. وبعد الصورة الأولى تأتي الملفات التي لا يمكن اختصارها في عنوان.

ولهذا فإن السؤال الحقيقي الذي يبدأ اليوم ليس كيف سيكون شكل امرأة في رئاسة الحكومة، وإنما كيف ستدير فاطمة الزهراء المنصوري هذه المسؤولية، وكيف ستشكل حكومتها، وكيف ستحدد أولوياتها، وكيف ستتابع تنفيذها، وكيف ستشرح للمغاربة ما تحقق وما لم يتحقق.
لقد انتهت اللحظة التاريخية بمجرد صدور قرار التعيين.
أما المهمة الثقيلة، فقد بدأت الآن.




