الترسانة الصامتة بين مايعلم ومايخفى  : الخنزير البري في سماء الشرق الأوسط .. قوة تنتظر الإشارة في عمق الجاهزية الأمريكية
Spread the love

Reading in العربية (Arabic) | Read in English

حين نشرت القيادة المركزية الأمريكية في 24 أكتوبر ، صور طائرتين من طراز ” A-10 Thunderbolt II ” المعروفتين بلقب ” الخنزير البري ” وهما تحلقان فوق الشرق الأوسط خلال طلعات جوية نهارية مجدولة ، لم تكن الصورة مجرد مشهد لطائرتين تشقان السماء بل نافذة على معادلة عسكرية أوسع تتجاوز حدود الطيران إلى حسابات الردع واستعراض الجاهزية ، وحدود القوة التي تستطيع واشنطن إبقاءها حاضرة في منطقة لا تزال تتقاطع فوق أرضها مصالح القوى الكبرى ومخاوفها

فالطائرة التي تبدو في ظاهرها آلة هجومية ذات تصميم خشن تحمل في بنيتها فلسفة عسكرية واضحة وهي ” الوصول إلى ساحة الاشتباك ، ومساندة القوات البرية ، ومهاجمة الأهداف الأرضية وفق طبيعة المهمة والظروف المحيطة بها ” وبمدفعها الثقيل وقدرتها على حمل أنواع مختلفة من الذخائر تمثل ” A-10 ” أحد الوجوه المباشرة للقوة الأمريكية حين تنتقل من مراقبة الميدان إلى التأثير فيه ، الا أن السؤال الأعمق بذلك لا يتعلق بما تستطيع هذه الطائرة فعله وحدها بل بالمنظومة التي تقف خلفها وبالقدرة التي تمنحها المعلومات والإسناد والتنسيق والقرار ، فالسلاح مهما بلغت كفاءته لا يعمل في فراغ حيث هناك شبكة من الاستطلاع والاتصالات والقيادة والتخطيط ، وهناك قدرات جوية وبحرية وبرية تتكامل في لحظة واحدة لتغيير طبيعة المشهد على الأرض

فالطلعات ” المجدولة ” كما وصفتها القيادة المركزية الأمريكية ، تؤكد وجود نشاط جوي أمريكي معلن في المنطقة وتعيد طرح السؤال عن حجم الإمكانات التي يمكن وضعها في خدمة القرار العسكري عندما تتغير الظروف ، فالولايات المتحدة لا تستمد تأثيرها العسكري من طائرة واحدة أو قاعدة واحدة بل من منظومة واسعة تشمل ” المقاتلات ، وطائرات الاستطلاع والتزود بالوقود ، وحاملات الطائرات ، والسفن الحربية ، وأنظمة الدفاع الجوي ، والأقمار الصناعية ، وشبكات القيادة والمعلومات ” ، وتتفاوت طبيعة هذه القدرات وجاهزيتها ومواقع انتشارها ، كما أن جمعها في مهمة واحدة يظل خاضعا للقرار السياسي والاعتبارات العملياتية ، وبذلك تكتسب القوة غير المرئية أهمية خاصة ، فما يظهر في الصور الرسمية هو جزء من المشهد ، أما تفاصيل المهام ومستوى الجاهزية وخطط الانتشار وبعض المعلومات الاستخباراتية فلا تكون متاحة بالضرورة للجمهور ، ولهذا فإن غياب المعلومات لايعني فقط أن هناك قدرات خارقة سرية مجهولة بل يعني ايظا أن الصورة المنشورة لا تكفي وحدها لفهم كامل المنظومة العسكرية ، وهذه هي المسافة الأكثر إثارة للتأمل بين ما تعلنه الجيوش وما تحتفظ به لنفسها ، حيث ان الأولى تقدم للعالم صورة عن الحضور والجاهزية والثانية تظل محكومة بحدود السرية العسكرية ، فيما تحاول الدول الأخرى قراءة الإشارات والتمييز بين رسالة ردع عابرة وتحول فعلي في طبيعة الاستعداد

وفي الشرق الأوسط لا تنفصل هذه الصورة عن الحسابات الأمريكية تجاه إيران ولا عن أمن الممرات البحرية والمصالح الاستراتيجية ولا عن شبكة التوترات التي تجعل أي تحرك عسكري موضع متابعة دقيقة ، لكن الحذر يظل ضروريا ، فظهور طائرتي ” A-10 ” لا يحدد وحده وجهة المواجهة ولا يكشف إن كان التحليق جزءا من روتين العمليات أو تمهيدا لمهمة أخرى ، فالقوة الجوية عندما تدخل في عملية فعلية تستطيع التأثير في حركة القوات واستهداف مواقع محددة وتغيير كلفة الخيارات العسكرية أمام الخصم ، ولذلك فإن السؤال الذي تطرحه صورة ” الخنزير البري ” يتجاوز حدود الطائرة ، في : إذا كانت هذه القوة المعلنة تمثل وجها من وجوه الحضور الأمريكي ، فكيف يمكن فهم بقية المنظومة التي لا تكشف الصور وحدها عن تفاصيلها ؟ وأي أثر يمكن أن تحدثه تلك المنظومة إذا انتقلت من مستوى الجاهزية إلى مستوى العمليات الفعلية؟

فالصورة هنا تذكرنا بأن القوة الحديثة لا تقاس بما نراه في السماء وحده بل بما يحيط به من معلومات وقدرات وقرارات ، وبين طائرة تعبر المشهد ومنظومة تقف خلفها وأرض تنتظر نتائج ما يجري فوقها ، يبقى أخطر الأسئلة مفتوحا ، في : هل تكفي القدرة العسكرية لصناعة واقع جديد ؟ أم أن امتلاك القوة يظل أمرا مختلفا عن امتلاك المستقبل؟ .

التاريخ

عن الكاتب

المزيد من
المقالات