Reading in العربية (Arabic) | Read in English
أدى تصاعد حدة المواجهات في مضيق هرمز، وامتدادها إلى استهداف ناقلات النفط والغاز وسفن السلع الأولية بضربات أميركية وإيرانية، إلى تراجع متوسط العبور اليومي إلى نحو عشر سفن يوم الأحد 6 أيلول 2026، مسجلًا أدنى مستوياته منذ أيار/مايو الماضي. ويأتي الاستهداف المتعمد للناقلات التجارية كأداة للضغط الاقتصادي، بعد أن اقتصرت ضربات الجانبين السابقة على أهداف عسكرية، لتصبح اليوم الناقلات وغيرها من السفن التجارية، ومن ورائها الاقتصاد العالمي، هدفًا لهذه الضربات.
تصاعد المواجهة
وكانت القوات الأميركية قد استهدفت، يوم السبت في الخامس من أيلول/سبتمبر 2026، ثلاث ناقلات نفط إيرانية، بينها ناقلة بالقرب من جزيرة خرك، المركز الرئيسي لتصدير النفط الإيراني، وذلك عقب هجمات شنّتها إيران على سفن حربية أميركية في المنطقة. وفي المقابل ردت إيران مستهدفة ثلاث ناقلات نفط تسلك مسارات لا تحظى بموافقتها، إضافة إلى ثلاث سفن أميركية في مناطق مختلفة.
وأدّى اتساع نطاق الاستهداف ليشمل السفن التجارية من ناقلات طاقة وسفن شحن تجارية، إلى ارتفاع مستوى المخاطر التي تواجه شحنات الطاقة الإيرانية أو المرتبطة بها، فضلًا عن السفن ذات الصلة بالولايات المتحدة أو التي ترافقها قوات أميركية في أثناء عبورها مضيق هرمز وبحر عُمان، الأمر الذي يضع الملاحة التجارية في صلب المواجهة بين الطرفين.
امدادات الغاز المسال في عين العاصفة
وقد أثار استئناف الولايات المتحدة وإيران المواجهة العسكرية منذ مطلع أيلول/سبتمبر الحالي، بعد فترة من الهدوء النسبي، مخاوف متزايدة من تفاقم وتيرة الاضطرابات التي تعترض شحنات الطاقة عبر المضيق. ولا تقتصر انعكاسات تعطل الملاحة في هذا الممر الاستراتيجي على تجارة النفط وحده، بل تتوسع بصورة مباشرة لتشمل إمدادات الغاز الطبيعي المسال.
فقد تراجعت صادرات الغاز الطبيعي المسال من الخليج العربي إلى مستويات أدنى بكثير مما كانت عليه قبل اندلاع الحرب، والبالغة نحو ثلاث شحنات يوميًا. وكانت ناقلات الغاز قد عمدت إلى وقف بث إشارات تحديد مواقعها خلال ابحارها في المضيق، منذ الهجوم الإيراني على سفينة قطرية في مطلع تموز/يوليو، في محاولة للحد من مخاطر استهدافها.
أوروبا اول المتضررين
وكانت تدفقات الغاز الطبيعي المسال عبر المضيق قد اقتربت من التوقف شبه التام حتى قبل التصعيد الأخير للأعمال العسكرية، الأمر الذي يزيد الضغوط على أسواق الغاز العالمية، ويدفع الدول المستوردة إلى البحث عن مصادر بديلة لا تعتمد على الإمدادات الآتية من الشرق الأوسط. وينطبق ذلك بصورة خاصة على أوروبا التي تعتمد بصورة متزايدة على واردات الغاز المسال من منطقة الخليج العربي لتعويض تراجع إمدادات الغاز الروسي.
وتزداد خطورة هذه التطورات مع اقتراب الاتحاد الأوروبي من فصل الشتاء، في وقت تعاني فيه مخزونات الغاز من انخفاض كبير، نتيجة التراجع الحاد في عدد الشحنات العابرة لمضيق هرمز. إذ لا تتجاوز نسبة امتلاء المخزونات الأوروبية حالياً نحو 65 في المئة، وهو أدنى مستوى تبلغه في مثل هذا الوقت من السنة منذ ما لا يقل عن خمسة عشر عامًا، كما يقل كثيرًا عن متوسط السنوات الخمس الماضية البالغ نحو 82 في المئة.
تحدي المخاطر
في المقابل، وعلى الرغم من تصاعد المخاطر، تواصل قطر والامارات تسيير شحنات من الغاز المسال عبر مضيق هرمز إلى عملائها في أنحاء العالم. وبعدما مددت شركة “قطر للطاقة” حالة القوة القاهرة المفروضة على شحناتها المتجهة إلى أوروبا وآسيا بسبب التصعيد الراهن، تتجه قطر اليوم إلى اتخاذ موقف أكثر إقدامًا، مع عودة ست من ناقلاتها الفارغة استعدادًا لاستئناف صادراتها عبر المضيق.
ومن جهتها، تواصل الامارات، من خلال شركة بترول أبوظبي الوطنية “أدنوك” نقل إمدادات الطاقة، ولا سيما النفط الخام والغاز الطبيعي المسال، على الرغم من استمرار مخاطر التعرض لهجمات إيرانية. وكانت ناقلة غاز تعود ملكيتها للشركة قد نقلت حمولتها، خلال الشهر الماضي، إلى سفينة أخرى خارج هرمز، في خطوة نجحت من خلالها في تصدير كمية إضافية من إنتاجها عبر الخليج العربي.
نمو الطلب على الغاز المسال
وتأتي هذه الاضطرابات في وقت بلغ فيه الطلب العالمي على الغاز مستوى قياسيًا خلال عام 2025، مقداره نحو 4202 مليار متر مكعب، وفق ما أورده “تقرير الغاز العالمي 2026″، بزيادة قدرها 69 مليار متر مكعب وبنسبة 1.7 بالمئة على أساس سنوي. ويعود هذا الارتفاع إلى التوسع في استخدام الغاز لأغراض التدفئة في القطاعين السكني والتجاري، إذ بلغت الزيادة في الاستهلاك المخصص للتدفئة ما يعادل 32 مليار متر مكعب، فيما ارتفع استهلاك القطاع الصناعي بنحو 20 مليار متر مكعب.
ويُشير التقرير، الذي صدر في 26 آب 2026، إلى أن ارتفاع الطلب على الغاز تزامن مع نمو الاستثمارات في مختلف مجالات صناعة الغاز، ولا سيما التوسع في مصانع تسييل الغاز ومنشآت التخزين. وقد أسهمت هذه الاستثمارات في تعزيز قدرة السوق على استيعاب جانب من تداعيات أزمة الطاقة المتعددة الاوجه خلال عام 2026، مقارنة بالاضطرابات الحادة التي أعقبت اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية في عام 2022.
وفي ظل نمو الطلب العالمي على الغاز الطبيعي والتصعيد الذي تشهده المواجهات الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران، واستمرار العمل بالعقوبات على الغاز الروسي بسبب الحرب على أوكرانيا، قفزت أسعار الغاز في أوروبا إلى أعلى مستوياتها منذ كانون الثاني/يناير 2023. كما تعزز التطورات الميدانية المخاوف من استمرار اضطرابات إمدادات الطاقة الآتية من منطقة الخليج العربي في المدى المنظور.
ارتفاع وتيرة التنافس على الشحنات المتاحة
ويشتد التنافس حالياً بين أوروبا وآسيا على شحنات الغاز الطبيعي المسال المتاحة في السوق العالمية، بعدما ارتفعت الأسعار الأوروبية بأكثر من 70 بالمئة مقارنة بمستوياتها في مطلع تموز/يوليو الماضي. ومن شأن بقاء الأسعار عند هذه المستويات أن يعزز قدرة أوروبا على استقطاب مزيد من الشحنات، لكنه يضعها في منافسة أكثر حدّة مع المشترين الآسيويين، ويفتح الباب أمام موجة جديدة من ارتفاع كلفة الطاقة والإنتاج. وهكذا يبقى استقرار سوق الغاز العالمي رهن مسار المواجهة في مضيق هرمز، وقدرة الأطراف المعنية على تجنيب هذا الممر الحيوي مزيدًا من التصعيد.
التصعيد يُهدد بأزمة طاقة عالمية
يتضح مما تقدّم أن استمرار التصعيد في مضيق هرمز لم يعد يهدد إمدادات النفط وحدها، بل بات يضع تجارة الغاز الطبيعي المسال أمام اختبار بالغ الصعوبة، في وقت يتزايد فيه الطلب العالمي وتشتد المنافسة بين أوروبا وآسيا على الشحنات المتاحة. ومن شأن إطالة أمد المواجهة أن تؤدي إلى مزيد من الارتفاع في أسعار الطاقة وكلفة الإنتاج والنقل، وأن تدفع الدول المستوردة إلى تسريع تنويع مصادرها ومسارات إمداداتها.
وعليه، يبقى استقرار أسواق الغاز العالمية رهن باحتواء المواجهة وتجنيب الممرات البحرية الحيوية تداعيات الصراع، إذ إن أي تعطيل طويل الأمد لحركة الملاحة التي تهدد أيضًا مضيق باب المندب بعد هرمز، قد يحول اضطراب الإمدادات الراهن إلى أزمة طاقة عالمية واسعة النطاق، والتي بدأت مؤشراتها مع ارتفاع أسعار النفط التي لامست الـ 100 دولار أميركي بعد أن ارتفعت العقود الآجلة لخام برنت مع فجر يوم الأربعاء 9 أيلول 2026.




