Reading in العربية (Arabic) | Read in English
في بغداد لا تحتاج المدينة إلى أن تطلق رصاصة كي تقول إن شيئا ما تغير ، فأحيانا يكفي أن يغادر صحفيون غرفة فندق على عجل ، وأن تغلق حقيبة قبل موعدها ، وأن تتحول مهمة صحفية إلى طريق عودة ، كي تفهم أن الخريطة الأمنية للمدينة قد أعيد رسمها في مكان لا تراه الكاميرات.
هكذا وجد فريق من ” وول ستريت جورنال ” نفسه أمام قرار مغادرة بغداد بعد نحو يومين فقط من وصوله إثر تحذيرات أمنية ، وجاء ذلك في لحظة شديدة الحساسية مع اكتمال الانسحاب العسكري الأمريكي من العراق في الثلاثون من سبتمبر 2026 ، والمشهد هنا يتجاوز قصة صحفيين غادروا بلدا مضطربا ، إنه سؤال عن : من يملك القدرة على جعل الصحافة نفسها تنسحب من مكان ما؟ ، فالصحفي حين يغادر تحت التهديد لا يحمل معه حقيبته فقط بل يحمل دليلا صامتا على أن هناك قوة تستطيع أن تجعل المعلومة أكثر خطورة من السلاح.
والأخطر أن هذه الحادثة لم تأت من فراغ ، ففي الواحد والثلاثون من مارس الماضي اختطفت الصحفية الأمريكية ” شيلي كيتلسون ” في بغداد بعدما اقتادها مسلحون من أحد شوارع العاصمة ، ثم افرج عنها في السابع من أبريل وسط مفاوضات تضمنت إطلاق سراح عناصر محتجزين ، مع اشتراط مغادرتها العراق ، ليصبح الاختطاف بذلك أكثر من جريمة أمنية ، يصبح ” رسالة سياسية ” ، فالصحفي الأجنبي لا يمثل نفسه وحده في بيئة الصراعات ، حيث أن وجوده يعني عينا خارجية وأسئلة لا يمكن التحكم في اتجاهها ودفتر ملاحظات قد يصل إلى واشنطن أو لندن أو باريس ، ولذلك تصبح حرية الحركة الصحفية في بعض البيئات المسلحة جزءا من معركة السيطرة على الرواية.
لكن السؤال الذي يطرح هنا ، لماذا الآن؟ ، لتأتي الأجابة من المرحلة ذاتها ، وهي : لأن العراق يقف عند عتبة مرحلة جديدة ، ففي الثلاثون من سبتمبر 2026 اكتملت عملية الانسحاب العسكري الأمريكي ، منهية وجودا عسكريا بدأ بعد غزو 2003 ، ثم عاد بصورة مختلفة عام 2014 لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية ، فيما أبقت واشنطن أشكال من الدعم الاستخباراتي والتدريب قائما في الداخل ، لكن مسؤولية الأمن الداخلي أصبحت بصورة أكبر على عاتق الدولة العراقية .
المفارقة هنا أن اليوم الذي خرجت فيه القوات الأمريكية من العراق لم يكن اليوم الذي اختفت فيه القوة الأمريكية من المعادلة العراقية ، فالقوة لا تقاس دائما بعدد الجنود ، حيث قد تختفي القاعدة العسكرية ويبقى النفوذ ، وقد تنسحب القوات وتبقى شبكات السلاح والسياسة والاقتصاد ، وقد يغلق الجندي بوابة معسكره للمرة الأخيرة وتظل أسئلة السيادة مفتوحة في الشوارع ، لتظهر العقدة العراقية من هنا تحديدا .
فالحكومة العراقية تريد أن تبدو صاحبة القرار في مسألة السلاح ، لكن الفصائل المسلحة المدعومة من إيران ليست مجرد مجموعات هامشية منفصلة ، حيث ان بعضها يمتلك قوة عسكرية ونفوذا سياسيا وموقعا داخل الأراضي العراقية ، بينما تشير تقارير حديثة إلى أن كثيرا من الفصائل لم تبد استعدادا فعليا للتخلي عن سلاحها ، لذلك فإن السؤال الذي تركته مغادرة الأمريكيين ليس : من خرج من العراق؟ بل : من بقي؟ ومن يستطيع بعد ذلك أن يحدد أين يستطيع الصحفي أن يذهب ، ومن يستطيع أن يدخل بغداد دون أن يخشى الاختطاف ، وأي قصة يمكن أن تكتب ، وأي قصة قد تصبح في حد ذاتها مخاطرة؟.
إنها معادلة دقيقة بين الدولة والسلاح والسياسة والنفوذ الإقليمي ، وفي هذه المنطقة الرمادية يصبح الصحفي أحيانا أول من يلتقط التغيير قبل السياسيين ، فهو لا يحتاج إلى تقرير استخباراتي كي يعرف أن شيئا ما يحدث ، يكفيه أن يتلقى تحذيرا ، أن يغير الفندق ، أن يلغي مقابلة ، أو أن يغادر المدينة قبل أن ينتهي عمله ، ومن هذا المشهد تتحول بغداد إلى مرآة لمرحلة ما بعد الانسحاب الأمريكي ، في دولة تريد احتكار القرار الأمني ، وفصائل تملك السلاح والنفوذ ، وحضور إيراني في عمق المعادلة ، ومغادرة عسكرية لواشنطن ومراقبة من مسافة ، وصحافة دولية تعيد حساب المسافة بين الحقيقة والخطر
ان المفارقة الكبرى في ذلك هو أن أمريكا أنفقت أكثر من عقدين في العراق ، بينما لا تزال بغداد تبحث الإجابة عن سؤال يبدو أبسط من كل الحروب ، وهو : من يملك مفتاح المدينة؟ ، فقد يكون المفتاح في يد الحكومة ، وقد يكون في يد من يحمل السلاح ، وقد يكون موزعا بين عواصم إقليمية وقوى دولية وشبكات سياسية لا تظهر كلها في الصورة ، الا أن مغادرة فريق صحفي خوفا من الاختطاف تقول شيئا أكثر عمقا ، وهو : حين يصبح الوصول إلى الحقيقة محفوفا بالخطر ، فإن المعركة لم تعد فقط على الأرض بل معركة على ” من يملك حق رواية الأرض ” ، وفي العراق الجديد ربما تكون هذه هي المعركة التي بدأت للتو.




