Reading in العربية (Arabic) | Read in English
من أكثر القضايا التي شغلت العقل العربي والإسلامي خلال القرنين الأخيرين قضية العلاقة بين الإسلام والحداثة وقد تحولت هذه القضية مع مرور الزمن من سؤال فكري يبحث عن إمكانية التوفيق بين الدين والعصر إلى معركة ثقافية بين اتجاهات ترى في الحداثة خلاصا من الماضي واتجاهات ترى فيها تهديدا للهوية والعقيدة وبين الفريقين ضاع السؤال الحقيقي وهو كيف يستطيع الإنسان المسلم أن يعيش عصره دون أن يفقد جذوره وكيف يستطيع أن يحافظ على جذوره دون أن يتحول إلى أسير للماضي
المشكلة في كثير من النقاشات التي دارت حول الإسلام والحداثة أن الطرفين انطلقا من افتراضات متناقضة قبل أن يبدأ الحوار أصلا فهناك من تعامل مع الإسلام باعتباره منظومة تاريخية مغلقة لا يمكن أن تتفاعل مع تحولات الزمن وهناك من تعامل مع الحداثة باعتبارها مشروعا غربيا كاملا يجب استيراده بكل تفاصيله وكأن الإنسان العربي لا يستطيع أن يكون حديثا إلا إذا تخلى عن ذاكرته وثقافته ودينه
والحقيقة أن الإسلام في جوهره لم يقدم الإنسان باعتباره كائنا ممنوعا من التفكير وإنما قدمه باعتباره مسؤولا عن عقله واختياراته وموقفه من الحياة ولذلك لم يكن الخطاب القرآني خطابا موجها إلى الغرائز وحدها بل كان خطابا للعقل والقلب والضمير في آن واحد
قال تعالى
﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾
وهذه الآية وحدها كافية لتفتح بابا واسعا أمام سؤال العقل في الإسلام لأن التدبر ليس ترديدا للكلمات وإنما محاولة لفهم المعنى والنظر في المقاصد وربط النص بالحياة والواقع
فالقرآن لا يطلب من الإنسان أن يقرأ فقط وإنما يطلب منه أن يتدبر ولا يطلب منه أن يسمع فقط وإنما يطلب منه أن يعقل ولا يطلب منه أن ينظر إلى الكون بعين المتفرج وإنما يدعوه إلى الاعتبار والنظر والتأمل
قال تعالى
﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾
ولهذا فإن الأزمة ليست في وجود العقل داخل الإسلام وإنما في الطريقة التي تعامل بها بعض المسلمين مع العقل عبر التاريخ
فحين يتحول الدين إلى مجموعة من الإجابات الجاهزة التي لا يجوز الاقتراب منها يصبح العقل متلقيا لا باحثا ويصبح الإنسان مطالبا بأن يحفظ أكثر مما يفهم وأن يكرر أكثر مما يتدبر وأن يدافع عن آراء السابقين حتى عندما تتغير الظروف التي أنتجت تلك الآراء
وهنا يبدأ الخلط بين الدين والتاريخ
الدين وحي
أما فهم الإنسان للدين فهو تجربة بشرية تتأثر بالزمان والمكان والثقافة واللغة والظروف السياسية والاجتماعية
والخلط بين الاثنين هو أحد الأسباب التي جعلت بعض المسلمين ينظرون إلى أي محاولة للتجديد باعتبارها اعتداء على الدين بينما الحقيقة أن كثيرا من محاولات التجديد ليست محاولة لتغيير الدين وإنما محاولة للتمييز بين النص المقدس وبين القراءة البشرية للنص
والحداثة في معناها العميق ليست مجرد ملابس جديدة أو تكنولوجيا أو مبان شاهقة وليست مجرد تقليد للنموذج الغربي
الحداثة الحقيقية تبدأ عندما يصبح الإنسان قادرا على التفكير خارج القوالب الجاهزة وعلى مساءلة أفكاره وعلى مراجعة أخطائه وعلى الاعتراف بأن المعرفة الإنسانية ليست شيئا مكتملا
والإسلام في هذا المعنى لا يقف بالضرورة في مواجهة الحداثة لأن الإسلام نفسه وضع الإنسان أمام مسؤولية النظر والتفكر
قال تعالى
﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ﴾
وقال تعالى
﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾
إن الإسلام لم يطلب من المسلم أن يخاف من المعرفة بل جعله في حالة بحث دائم عن الحقيقة ولذلك كانت أول كلمة في الوحي اقرأ
﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾
اقرأ لم تكن أمرا بالقراءة فقط وإنما كانت إيذانا بأن المعرفة ستكون جزءا من علاقة الإنسان بخالقه وبالعالم وبنفسه
ومن هنا فإن المعركة الحقيقية ليست بين الإسلام والحداثة وإنما بين الجمود والحياة
بين عقل يخاف من السؤال وعقل يرى في السؤال طريقا إلى المعرفة
بين من يريد أن يحول التراث إلى سجن ومن يريد أن يحوله إلى مادة للفهم والنقد وإعادة البناء
وهنا تظهر قيمة كلام الإمام علي كرم الله وجهه حين قال
قيمة كل امرئ ما يحسنه
فالقيمة ليست في العمر ولا في المظهر ولا في كثرة الشعارات وإنما في مقدار ما يضيفه الإنسان من علم وفهم وخير
وقال أيضا
لا تربوا أولادكم على عاداتكم فإنهم مخلوقون لزمان غير زمانكم
وهذه العبارة تحمل معنى بالغ الأهمية في قضية الحداثة لأنها تضع أمامنا حقيقة بسيطة وهي أن الإنسان يعيش في زمن متغير وأن التربية التي لا تعترف بتغير الزمن قد تنتج إنسانا صالحا لعالم لم يعد موجودا
المشكلة إذن ليست أن يتغير العالم وإنما أن يتغير العالم بينما يصر الإنسان على استخدام الأدوات الفكرية نفسها التي كانت مناسبة لعصر سابق
وليس معنى هذا أن كل جديد صحيح وليس معنى الانفتاح أن نقبل كل ما يأتي من الغرب أو الشرق دون نقد
فالعقل الذي يرفض التقليد الأعمى في الدين يجب أن يرفض أيضا التقليد الأعمى في الحداثة
كما أن المسلم الذي يرفض أن يقلد أسلافه دون دليل يجب ألا يقلد الغرب دون دليل
قال تعالى
﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾
هذه الآية تؤسس لقاعدة عظيمة وهي أن الإنسان مسؤول عما يتبناه من أفكار وأن السمع والبصر والفؤاد أدوات للمسؤولية لا مجرد أدوات لاستقبال الأشياء
ولهذا فإن المسلم المعاصر لا يحتاج إلى أن يختار بين هويته وعصره وإنما يحتاج إلى أن يعيد بناء العلاقة بينهما
نحن لا نحتاج إلى إسلام جديد وإنما نحتاج إلى قراءة جديدة قادرة على فهم النص دون أن تسجنه في تفسير واحد وفهم الواقع دون أن تستسلم له
نحتاج إلى عقل يعرف أن النص مقدس ولكن فهم الإنسان للنص ليس مقدسا بالضرورة
ونحتاج إلى تدين يعيد الإنسان إلى مركز الاهتمام
تدين يجعل الأخلاق أهم من المظاهر
والعدل أهم من الشعارات
والرحمة أهم من الخصومة
والعلم أهم من الجهل
والإنسان أهم من الانتصار في الجدل
وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق
فإذا أصبحت الممارسة الدينية تنتج إنسانا أكثر قسوة وأقل رحمة وأكثر تعصبا وأقل قدرة على الحوار فإن هناك شيئا ما قد انحرف في الطريق حتى لو بقيت الشعارات الدينية كما هي
الإسلام لا يخاف من الحداثة لأنه ليس فكرة بشرية هشة تخشى أن تسقط أمام سؤال جديد
والقرآن لا يخشى العقل لأن القرآن نفسه يخاطب العقل
لكن الذي يخاف من العقل هو القراءة التي بنت سلطتها على منع السؤال
والذي يخاف من الحداثة هو الجمود الذي لا يستطيع أن يعيش إلا داخل الماضي
أما الإسلام الذي ينطلق من جوهره الأخلاقي والإنساني فإنه قادر على أن يعيش في كل عصر لأنه لم يأت ليصنع إنسانا يعيش في القرن السابع فقط وإنما جاء ليهدي الإنسان في كل زمان
والتحدي الحقيقي أمام المسلمين اليوم ليس أن يثبتوا أن الإسلام ضد الحداثة أو معها
بل أن يقدموا نموذجا يثبت أن الإنسان يستطيع أن يكون مؤمنا وحديثا وعاقلا ومنفتحا دون أن يكون مقلدا
وأن يكون متمسكا بهويته دون أن يكون أسيرا لها
وأن يحترم تراثه دون أن يعبده
وأن يحترم العقل دون أن يحوله إلى إله جديد
فالحداثة التي نحتاجها ليست حداثة تقطع الإنسان عن جذوره
والتدين الذي نحتاجه ليس تدينا يقطع الإنسان عن عصره
إنما نحتاج إلى إنسان يقف بين الوحي والعقل وبين التراث والواقع وبين الأصالة والتجديد وهو يعرف أن الحقيقة أكبر من أن يحتكرها فرد أو جماعة أو مؤسسة
وهنا يصبح العقل جسرا لا جدارا
ويصبح الدين قوة لتحرير الإنسان لا وسيلة لإخضاعه
وتصبح الحداثة وسيلة لتطوير الحياة لا ذريعة لاقتلاع الهوية
وعندها فقط يمكن أن يبدأ الحوار الحقيقي بين الإسلام والعصر




