Reading in العربية (Arabic) | Read in English
ثمة سوء فهم شائع للإسلام يختزل الإيمان بالآخرة في فكرة تبدو للوهلة الأولى مريحة للمظلوم لكنها في جوهرها تنتقص من الدين نفسه. فبحسب هذا التصور يكفي أن يقال للإنسان المقهور اصبر وانتظر عدالة السماء، أما ما يحدث في الدنيا من استبداد وقهر وإهانة وسلب للحقوق فليس أكثر من امتحان مؤجل إلى يوم الحساب. وكأن الإيمان بالآخرة جاء ليمنح الظالم مزيدا من الوقت ويمنح المظلوم جرعة من الصبر ثم يطلب منه أن ينسحب من معركة الحياة.
لكن الإسلام الذي تتحدث عنه نصوصه المؤسسة وتكشف عنه سيرته التاريخية يقول شيئا مختلفا تماما.
الإيمان بالآخرة ليس دعوة إلى الاستسلام للظلم، وليس مخدرا روحيا للمقهورين، وليس بديلا عن العدالة في الدنيا. إنما هو جزء من منظومة أخلاقية تجعل الإنسان مسؤولا عن موقفه من الظلم، ومطالبا بأن يبذل ما يستطيع لرفعه، وأن ينصر المظلوم، وأن يمنع الظالم من ظلمه، وأن يعمل على إصلاح حال البلاد والعباد، ثم يؤمن بعد ذلك بأن ما عجز البشر عن تحقيقه من عدالة لن يضيع عند الله.
وهنا تكمن المفارقة التي كثيرا ما يغفل عنها الخطاب المعاصر. فالإيمان بالحساب الأخروي لا يلغي مسؤولية الإنسان في الدنيا، بل يمنحها معنى أعمق. فأنت لا تقاوم الظلم لأنك تظن أن الدنيا هي كل شيء، ولا تتخلى عن حقوق الناس لأن هناك آخرة، وإنما تعمل في الدنيا لأنك تؤمن أنك ستسأل عما فعلت وما تركت، وعما قدرت على تغييره وما اخترت أن تصمت عنه.
ولهذا فإن السؤال الصحيح ليس هل الإيمان بالآخرة يجعل الإنسان أكثر استعدادا للاستسلام للظلم، وإنما هل فهمنا نحن معنى الإيمان بالآخرة كما أراده الإسلام فعلا؟
فالله سبحانه وتعالى لم يقل للمؤمنين إن وجود الحساب في الآخرة يعفيهم من مسؤولية مقاومة الظلم في الدنيا، بل خاطبهم في القرآن بلغة المسؤولية المباشرة تجاه المستضعفين، فقال تعالى:
﴿وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا﴾
هذه الآية وحدها كافية لإعادة النظر في التصور الذي يجعل الدين مجرد ملجأ روحي للمقهورين كي يتحملوا قهرهم. فالقرآن لا يكتفي بأن يقول للمستضعف اصبر وانتظر الآخرة، بل يوجه المجتمع إلى سؤال أكثر صعوبة وهو لماذا لا تتحركون من أجل المستضعفين. إنها نقلة هائلة من مجرد التعاطف مع المظلوم إلى تحمل مسؤولية نصرته، ومن الإحساس بالمأساة إلى البحث عن وسيلة لإنهائها.
والقرآن لا يقدم العدل باعتباره فضيلة فردية فحسب، وإنما يقدمه باعتباره أساسا للحياة الاجتماعية. يقول الله تعالى:
﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي﴾
ويقول سبحانه:
﴿يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين﴾
ويقول أيضا:
﴿ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى﴾
فالعدل في القرآن ليس ترفا أخلاقيا ولا شعورا داخليا يمكن للإنسان أن يحتفظ به لنفسه، وإنما هو مسؤولية ينبغي أن تقام في المجتمع حتى عندما يكون ثمنها مواجهة الأقوياء، وحتى عندما يكون الإنسان مطالبا بأن يشهد بالحق على نفسه أو على أقرب الناس إليه. ومن هنا فإن الإيمان بالآخرة لا يلغي مسؤولية الإنسان في الدنيا وإنما يضاعفها، لأن الإنسان الذي يؤمن بأنه سيحاسب على ما فعل وعلى ما ترك وعلى الظلم الذي ارتكبه وعلى الظلم الذي شاهده وسكت عنه يدرك أن موقفه من الاستبداد ليس مسألة شخصية عابرة.
وقد وضع النبي محمد صلى الله عليه وسلم هذه المسؤولية في صيغة بالغة الوضوح حين قال:
«انصر أخاك ظالما أو مظلوما»
فلما سأله الصحابة كيف ينصره إذا كان ظالما قال:
«تحجزه أو تمنعه من الظلم فإن ذلك نصره»
المعنى هنا شديد الوضوح، فنصرة المظلوم ليست هي الصورة الوحيدة للمسؤولية الأخلاقية، بل حتى الظالم ينبغي أن يمنع من ظلمه. أي أن الإسلام لا يتعامل مع الظلم باعتباره مشكلة تخص الضحية وحدها، وإنما باعتباره مرضا يصيب المجتمع كله. فالظالم يحتاج إلى من يمنعه، والمظلوم يحتاج إلى من ينصره، والمجتمع يحتاج إلى منظومة تمنع الظلم قبل أن يتحول إلى نظام دائم.
ولهذا جاء في الحديث الصحيح:
«واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب»
فالحديث لا يحول المظلوم إلى إنسان سلبي ينتظر الانتقام الإلهي، وإنما يضع الظالم أمام حقيقة أن القوة التي يمتلكها في الدنيا ليست قوة مطلقة، وأن وراء هذه الحياة حسابا لا تستطيع السلطة ولا المال ولا السلاح ولا النفوذ أن تمنعه. وهذه هي الوظيفة الأخلاقية العميقة للإيمان بالآخرة، فهو لا يسلب الإنسان مسؤوليته في الدنيا، وإنما يمنع الظالم من الاعتقاد بأن إفلاته من العدالة الأرضية يعني إفلاته من العدالة بصورة مطلقة.
وفي السنة النبوية أيضا جاء الحديث الذي يقول:
«أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر»
وهنا يصبح قول الحق أمام السلطة الجائرة موقفا أخلاقيا له قيمة دينية، وهو ما يجعل من الصعب اختزال الإسلام في فكرة الطاعة العمياء للحاكم. فالنصوص الإسلامية لا تجعل السلطان فوق الحق ولا فوق العدالة، وإنما تضع السلطة نفسها داخل دائرة المسؤولية والمحاسبة، وتجعل مواجهة الجور بالكلمة العادلة من أرفع صور الشجاعة الأخلاقية.
والقرآن يذهب أبعد من ذلك حين يقول:
﴿والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون﴾
لاحظ التعبير القرآني ينتصرون. فالقرآن لا يصف المؤمنين بأنهم يستسلمون للبغي أو يعتادون الظلم أو يمنحون الظالم شرعية الاستمرار لمجرد أنهم يؤمنون بالآخرة، وإنما يقر لهم حق الانتصار على البغي ضمن منظومة العدل والضوابط الأخلاقية.
وفي موضع آخر يقول الله تعالى:
﴿فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله﴾
فالغاية ليست القتال لذاته وإنما إيقاف البغي وإعادة الأمور إلى العدل. وهذه قاعدة مهمة لأن الإسلام لا يقدس القوة لمجرد كونها قوة، ولا يقدس الثورة لمجرد كونها ثورة، وإنما يضع القوة في سياق أخلاقي غايته رفع البغي وإقامة العدل ومنع المعتدي من الاستمرار في عدوانه.
وحتى قوله تعالى:
﴿وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة﴾
يكشف أن الإسلام لا يبني منظومته على انتظار الخطر ثم البحث عن الوسيلة بعد وقوعه، بل يدعو إلى الاستعداد والأخذ بالأسباب. والقوة هنا لا ينبغي اختزالها في السلاح وحده، وإنما يمكن أن تشمل المعرفة والعلم والتنظيم والاقتصاد والقدرة السياسية والاجتماعية والمؤسسات التي تحمي المجتمع وتمنع الاستبداد وتحفظ استقلاله وكرامته.
الإيمان لا يعني إلغاء الأسباب، والتوكل لا يعني ترك العمل، والدعاء لا يعني التخلي عن المسؤولية، والإيمان بالآخرة لا يعني إلغاء الدنيا. بل إن الإسلام يقدم الدنيا باعتبارها ميدان الاختبار الذي تظهر فيه مسؤولية الإنسان قبل أن يأتي يوم الحساب.
ولهذا فإن أخطر قراءة للدين هي تلك التي تحول الإيمان بالقدر إلى ذريعة للاستسلام، وتحول الصبر إلى قبول بالمهانة، وتحول انتظار الآخرة إلى إعفاء للظالم من المواجهة. الإسلام لا يقول للمظلوم كن ضعيفا، وإنما يقول له كن عادلا حتى مع من تكره. ولا يقول له اقبل الظلم، وإنما يأمر المجتمع بأن يرفع الظلم. ولا يقول للإنسان لا تفعل شيئا لأن الله سيحاسب الظالم، بل يقول له إنك أنت أيضا مسؤول عما تستطيع فعله.
وهذه الفكرة تظهر بوضوح في سيرة الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه، الذي لم يفهم الحكم باعتباره امتيازا شخصيا ولا السلطة باعتبارها غنيمة، بل رأى أن الحكم مسؤولية وأن الحاكم مؤتمن على الناس. ومن أشهر ما ورد في عهده إلى مالك الأشتر قوله:
«وأشعر قلبك الرحمة للرعية والمحبة لهم واللطف بهم ولا تكونن عليهم سبعا ضاريا تغتنم أكلهم فإنهم صنفان إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق»
هذه العبارة تختصر فلسفة سياسية وأخلاقية بالغة العمق، فالحاكم ليس مالكا للناس، والناس ليسوا مادة للاستغلال، والسلطة ليست رخصة للافتراس، والإنسان يستحق العدل لأنه إنسان قبل أي اعتبار آخر.
وفي تراث الإمام علي أيضا حديث بالغ الدلالة عن مسؤوليته أمام ما يراه من الظلم والفقر وانقسام المجتمع، وهي رؤية تجعل الحكم تكليفا أخلاقيا لا امتيازا شخصيا. ولذلك ارتبط اسمه في الذاكرة الإسلامية بفكرة العدل، وبالسؤال عن مسؤولية السلطة تجاه الضعفاء والمحرومين، وعن حدود الطاعة حين تتحول السلطة إلى أداة للظلم.
ثم يأتي الإمام الحسين بن علي رضي الله عنه ليقدم واحدة من أكثر التجارب تأثيرا في الوعي الإسلامي تجاه العلاقة بين الدين والاستبداد. فالحسين لم يتحرك في كربلاء بحثا عن موت رمزي أو رغبة في إنهاء حياته، وإنما تحرك في سياق سياسي رأى فيه أن مسألة السلطة لم تعد مجرد خلاف على شخص الحاكم، وإنما أصبحت مرتبطة بمسألة الشرعية والعدل ومعنى أن تتحول الخلافة إلى ملك وسلطة لا ترى نفسها ملزمة بالمعايير الأخلاقية التي قام عليها الدين.
ولهذا بقيت كربلاء حاضرة في الذاكرة الإسلامية قرونا طويلة، لأنها لم تعد مجرد معركة انتهت في عام 61 للهجرة، وإنما تحولت إلى سؤال أخلاقي متجدد عن موقف الإنسان عندما تصبح السلطة أقوى منه. ماذا يفعل الإنسان عندما تصبح السلطة قادرة على سحقه؟ هل يمنح الظلم شرعية الصمت لأنه يعلم أن الظالم سيحاسب في الآخرة؟ أم يبذل ما يستطيع حتى لا يصبح الصمت نفسه جزءا من استمرار الظلم؟
الحسين اختار الطريق الثاني، وكان يعلم أن موازين القوة ليست في صالحه، ومع ذلك لم يعتبر اختلال ميزان القوة سببا كافيا للتنازل عن موقفه الأخلاقي. وهنا تتجلى واحدة من أعظم رسائل كربلاء، وهي أن الانتصار لا يقاس دائما بعدد الجيوش، وأن الهزيمة لا تقاس دائما بعدد القتلى، فقد يخسر الإنسان المعركة العسكرية لكنه يكسب المعركة الأخلاقية والتاريخية، وقد ينتصر السلاح في لحظة لكنه يخسر أمام الذاكرة الإنسانية قرونا.
والدرس نفسه يظهر في تجربة زيد بن علي بن الحسين الذي خرج على الحكم الأموي في الكوفة سنة 122 للهجرة وانتهت حركته بمقتله. وقد ارتبط اسم زيد في التاريخ الإسلامي بفكرة النشاط السياسي والثورة على الظلم، حتى أصبح اسمه أساسا للتسمية الزيدية التي جعلت من الخروج على الظلم جزءا بارزا من تصورها السياسي.
ثم تأتي تجربة محمد بن عبدالله المعروف بمحمد النفس الزكية، وهو من نسل الحسن بن علي رضي الله عنهما، فقد قاد سنة 145 للهجرة حركة ضد الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور وانتهت حركته أيضا بالمقتل. وهذه التجارب التاريخية لا ينبغي تحويلها إلى وصفات جاهزة للعنف في العصر الحديث، كما لا يجوز استخدامها لتبرير الفوضى أو الاعتداء على الأبرياء، ولكنها في الوقت نفسه تؤكد أن فكرة الاستسلام المطلق للسلطة لم تكن هي الصورة الوحيدة التي عرفها التاريخ الإسلامي.
لقد كان هناك دائما سؤال عن حدود الطاعة، وعن مسؤولية الحاكم، وعن حق الناس في مقاومة البغي، وعن واجب العلماء والمجتمع في قول الحق. ولذلك فإن استحضار هذه التجارب لا يعني الدعوة إلى تكرارها حرفيا، وإنما يعني استعادة السؤال الأخلاقي الذي حملته تلك التجارب، وهو كيف يمكن للإنسان أن يحافظ على كرامته ومسؤوليته الأخلاقية عندما تتحول السلطة إلى أداة للاستبداد.
إن الإسلام لا يبني الإنسان على فكرة أن الدنيا هي كل شيء حتى يصبح الحفاظ على حياته المادية غاية مطلقة، لكنه أيضا لا يبني الإنسان على احتقار الدنيا أو الاستسلام لمن يحول حياته إلى جحيم، بل يمنحه ميزانا أكثر تعقيدا. الدنيا مهمة لأنها ميدان العمل، والإنسان مهم لأن الله كرمه، والعدل مهم لأن الله أمر به، والكرامة مهمة لأن الظلم والبغي محرمان، والآخرة مهمة لأنها تمنح هذه المسؤوليات معناها النهائي وتضع الظالم والمظلوم أمام ميزان لا يستطيع أحد شراءه أو تزويره.
وهنا ربما يكون الاختلاف الحقيقي بين التصور الديني وبعض التصورات المادية للحياة أقل بساطة مما يبدو في النقاشات السريعة. فالقول إن الإنسان الذي لا يؤمن بالآخرة سيمنح حياة الإنسان قيمة أكبر ليس بالضرورة نتيجة حتمية، كما أن الإيمان بالآخرة لا يعني بالضرورة أن الإنسان سيستخف بالحياة الدنيا. فالمؤمن يستطيع أن يرى قيمة الإنسان في الدنيا باعتبارها جزءا من تكريم إلهي ومسؤولية أخلاقية لا تنتهي بالموت، والإيمان بالحساب يمنح مقاومة الظلم بعدا إضافيا، لأن الظالم ليس حرا في أن يفعل ما يشاء لمجرد أنه تمكن من الإفلات من القانون، والمظلوم ليس منسيا لمجرد أن العدالة الأرضية عجزت عن الوصول إليه.
وهذه في الحقيقة واحدة من أقوى الوظائف الأخلاقية لفكرة الآخرة، فهي تمنع التاريخ من أن يكون المحكمة الوحيدة، وتمنع القوة من أن تكون معيار الحق، وتمنع الظالم من أن يعتقد أن نجاحه المؤقت دليل على صحة ما فعل، وتمنح المظلوم معنى يتجاوز الهزيمة المادية.
لكن هذا كله لا ينبغي أن يتحول إلى مخدر ديني، وهنا تكمن مسؤولية الخطاب الديني نفسه. فحين يقول رجل الدين للمظلوم اصبر لأن الله سيقتص لك يوم القيامة ثم يترك الظالم يفعل ما يشاء، فإنه لا يخدم روح الإسلام وإنما يقدم نسخة ناقصة من الإسلام. أما حين يقول للمظلوم اصبر بمعنى الثبات ولا تفقد إنسانيتك ولا تتحول إلى ظالم جديد، وفي الوقت نفسه يقول له قاوم الظلم بما تستطيع واطلب حقك وقل كلمة الحق وابحث عن وسائل الإصلاح، فهذا أقرب إلى جوهر المنظومة الإسلامية.
فالآخرة ليست غرفة انتظار، والدين ليس مسكنا للمهزومين، والصبر ليس استسلاما، والتوكل ليس عجزا، والقدر ليس ذريعة لترك العمل. بل الإنسان في التصور الإسلامي مأمور بأن يعمل ثم يترك النتائج لله. وهذه ربما تلخص العلاقة الصحيحة بين الإيمان والعمل، أن تبذل ما تستطيع وكأن مسؤولية الإصلاح تقع عليك، وأن تعرف في الوقت نفسه أن النتائج ليست كلها في يدك.
قد لا تستطيع إسقاط الظلم كله، لكن تستطيع ألا تكون جزءا منه. وقد لا تستطيع إنقاذ الجميع، لكن تستطيع إنقاذ من تقدر عليه. وقد لا تستطيع تغيير النظام كله، لكن تستطيع أن تقول كلمة حق، وأن تستخدم المعرفة والقانون والإعلام والعمل المدني والسياسي والإصلاح الاجتماعي في مواجهة ما تستطيع مواجهته. وقد يكون أعظم ما تستطيع فعله أحيانا أن تمنع الظلم من أن يتحول إلى شيء طبيعي في عقول الناس، لأن الظلم يبدأ غالبا عندما يصبح الصمت عادة، ويصبح أكثر خطورة عندما يتحول إلى ثقافة، ويصبح أكثر رسوخا عندما يبدأ الناس في تبريره.
وهنا تأتي رسالة الإسلام في مواجهة هذا الخطر. فالقرآن يأمر بالعدل، وينهى عن البغي، والنبي يأمر بنصرة المظلوم ومنع الظالم من ظلمه، والسيرة والتاريخ الإسلامي يقدمان نماذج متعددة لعلماء ومصلحين وأئمة وشخصيات سياسية لم يروا في الإيمان بالآخرة مبررا للابتعاد عن قضايا الناس أو ترك الظلم يتمدد.
إن الإسلام لا يقول للإنسان إن مهمتك أن تستلقي على هامش التاريخ منتظرا يوم القيامة، وإنما يريده شاهدا على عصره ومسؤولا عن مجتمعه ومطالبا بأن يجعل وجوده في الدنيا ذا أثر. والإيمان بالآخرة لا ينبغي أن يكون سببا في أن نقبل بالظلم، بل سببا في أن نرفض أن يكون الظلم هو الكلمة الأخيرة في حياة الإنسان.
فإذا استطاع الإنسان أن يرفع الظلم في الدنيا فذلك واجبه، وإذا عجز بعد أن بذل وسعه فإن إيمانه بأن الله لا يضيع حق المظلوم يمنحه القدرة على ألا يتحول إلى إنسان محطم أو ناقم أو فاقد للمعنى. وهنا تصبح الآخرة امتدادا للعدالة وليست بديلا عنها، وتصبح العقيدة قوة أخلاقية لا مخدرا اجتماعيا، ويصبح الإيمان بالله دافعا إلى العمل لا ذريعة للهرب من الواقع.
ولعل السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يطرح اليوم ليس هل الإيمان بالآخرة يجعل الإنسان مستسلما للظلم أم لا، وإنما كيف يمكن للإيمان بالآخرة أن يجعل الإنسان أكثر مسؤولية عن الدنيا التي يعيش فيها. كيف يمكن أن يصبح الدين قوة تدفع الإنسان إلى إصلاح حال البلاد وحال العباد، وإلى بناء مؤسسات عادلة، وحماية الضعفاء، ومقاومة الاستبداد بالوسائل المشروعة، ورفض تحويل الظلم إلى أمر طبيعي لا يستحق الاعتراض.
هذه هي المهمة التي تقع على عاتق الإنسان في الدنيا. أما الحساب فموعده عند الله. والفرق بين الأمرين أن المؤمن الحقيقي لا ينتظر يوم الحساب كي يبدأ مقاومة الظلم، بل يبدأ من اليوم، ويعمل بما يستطيع، ويقول الحق بما يستطيع، ويصلح ما يستطيع، وإذا عجز عن تغيير الواقع كله فإنه على الأقل يرفض أن يصبح جزءا من الظلم، ثم يترك ما عجز عنه لعدل الله الذي لا يعجزه شيء.




