Reading in العربية (Arabic) | Read in English
باب المندب بين الحسابات العسكرية والتداعيات الإقليمية
مقدمة
لم يكن الخامس من أكتوبر يوماً عادياً في مسار الحرب اليمنية. فخلال ساعات قليلة انتقلت الجبهات من حالة التصعيد المحدود إلى مواجهة واسعة حملت معها مؤشرات على عودة الحرب الإقليمية إلى اليمن، بعد فترة طويلة من الهدوء النسبي الذي أعقب هدنة عام 2022.
المشهد هذه المرة أكثر تعقيداً من مجرد هجوم جديد على مواقع جماعة أنصار الله. السعودية دخلت المعركة بقدرات جوية كبيرة، والقوات الحكومية اليمنية تحركت على أكثر من محور، بينما حاولت جماعة أنصار الله الرد على الأرض وفي المجال الجوي، مع توسيع رسائلها باتجاه السعودية ومصالحها الحيوية.
لكن أخطر ما في التطورات الأخيرة هو أن مركز الثقل العسكري بات قريباً من باب المندب. فالمعركة حول المخا وذوباب والمناطق المحيطة بالمضيق لا تتعلق فقط بمن يسيطر على جزء من الأراضي اليمنية، وإنما بمن يمتلك القدرة على التحكم في واحدة من أهم بوابات التجارة البحرية بين آسيا وأوروبا.
ومن هنا فإن قراءة أحداث هذا اليوم تحتاج إلى تجاوز البيانات العسكرية المتبادلة. فالكثير مما أعلنته الأطراف المتحاربة لم يكن ممكناً التحقق منه بصورة مستقلة، وبعض الأرقام والمكاسب المعلنة تحتاج إلى وقت حتى تتضح حقيقتها على الأرض. ولذلك من الضروري الفصل بين ما حدث فعلاً، وما قيل إنه حدث، وبين ما يمكن أن يعنيه ذلك بالنسبة إلى المرحلة المقبلة.
يوم عسكري مفتوح على أكثر من جبهة
أعلنت القوات الحكومية اليمنية بدء عملية عسكرية واسعة أطلقت عليها اسم «فجر اليمن»، بالتزامن مع دخول الطيران السعودي بصورة مباشرة ومكثفة على خط العمليات.
وتحدث الجانب السعودي عن مشاركة نحو مئة طائرة في العمليات وتنفيذ ضربات ضد عدد كبير من الأهداف التابعة لأنصار الله. وبغض النظر عن دقة الأرقام التي أعلنتها قيادة التحالف، فإن دخول هذا الحجم من القوة الجوية يعني أن الرياض قررت التعامل مع التطورات باعتبارها تهديداً أمنياً مباشراً وليس مجرد جولة جديدة من جولات الصراع اليمني الداخلي.
في المقابل، أعلنت جماعة أنصار الله عمليات عسكرية على أكثر من محور، وركزت في رسائلها الإعلامية على قدرتها على الرد داخل السعودية، وعلى استهداف القوات الحكومية وآلياتها باستخدام الطائرات المسيرة.
أما على الأرض، فقد بدا واضحاً أن محور الساحل الغربي هو أحد الأهداف الرئيسية للعملية الجديدة. القوات الحكومية أعلنت تقدمها في ذوباب ومناطق قريبة من باب المندب، ثم تحدثت عن استعادة المخا، بينما ظلت بعض تفاصيل هذه السيطرة غير محسومة ميدانياً، خصوصاً أن المعارك في هذه المناطق يمكن أن تتغير خلال ساعات.
وفي الوقت نفسه، كانت جبهة تعز تسير في الاتجاه المعاكس تقريباً، بعدما أعلنت قوات أنصار الله تقدمها في عدد من المناطق، وصدرت تصريحات تتحدث عن الاقتراب من مناطق مرتبطة بقيادة السلطة اليمنية. هذه الادعاءات الأخيرة لم تتوافر بشأنها أدلة مستقلة كافية، لكنها تكشف في كل الأحوال أن الجماعة لا تتعامل مع الهجوم الحكومي على الساحل باعتباره معركة منفصلة عن بقية الجبهات.
باب المندب هو الهدف الأهم
قد تبدو المعركة في ذوباب أو المخا للوهلة الأولى معركة للسيطرة على مدن ومواقع ساحلية، لكن قيمتها الحقيقية أكبر من ذلك بكثير.
باب المندب يمثل نقطة الاختناق الأساسية التي تمر عبرها حركة السفن بين البحر الأحمر وخليج عدن والمحيط الهندي. ولذلك فإن السيطرة على المنطقة المحيطة به تمنح صاحبها موقعاً استراتيجياً مهماً، لكنها لا تعني بالضرورة القدرة على إغلاق المضيق أو التحكم الكامل في حركة الملاحة.
فالمضيق لا يُسيطر عليه بالقوات البرية وحدها. السيطرة الفعلية تحتاج إلى تفوق جوي، وقدرات استطلاع، وحماية ساحلية، وأنظمة دفاعية، وقدرة على مواجهة الصواريخ والطائرات المسيرة.
وهنا تظهر أهمية الطيران السعودي في المعركة الحالية. فالقوات الحكومية تستطيع التقدم على الأرض، لكن المحافظة على هذا التقدم تحتاج إلى غطاء جوي مستمر، خصوصاً في منطقة مفتوحة نسبياً مثل المثلث الممتد بين المخا وذوباب وباب المندب.
ولهذا يمكن القول إن القاعدة العسكرية البسيطة التي تحكم هذه الجبهة هي أن من يملك السيطرة الجوية يمتلك فرصة أكبر للحفاظ على السيطرة البرية.
الطائرات المسيرة تغير شكل المعركة
من أبرز ما كشفته أحداث اليوم أن الطائرات المسيرة أصبحت جزءاً أساسياً من المعركة، وليس مجرد سلاح مساعد.
المقاطع التي نشرتها جماعة أنصار الله تظهر، بحسب ما أمكن التحقق منه، استهداف آليات ومواقع للقوات الحكومية بطائرات مسيرة صغيرة ومسلحة. بعض المقاطع يتطابق مع طبيعة المناطق التي تدور فيها المعارك، لكن لا يمكن اعتماد جميع المقاطع المنشورة باعتبارها دليلاً نهائياً على حجم الخسائر أو تاريخ تصويرها.
المهم هنا ليس الفيديو بحد ذاته، وإنما التطور في طبيعة استخدام السلاح.
فالقوات التي تمتلك طائرات مسيرة رخيصة نسبياً وقادرة على ضرب آليات عسكرية دقيقة تستطيع إرباك قوة برية متقدمة حتى لو كانت تلك القوة مدعومة بالطيران التقليدي.
وهذا يفسر جزئياً لماذا لا يعني التقدم السريع على الأرض بالضرورة تحقيق انتصار عسكري مستقر. فكلما تقدمت القوات الحكومية بعيداً عن قواعدها وخطوط إمدادها، أصبحت أكثر عرضة لضربات المسيرات والاستهداف غير المباشر.
تضارب البيانات جزء من المعركة
من اللافت خلال الساعات الماضية سرعة انتقال البيانات من إعلان إلى آخر.
أُعلن في وقت مبكر عن السيطرة على باب المندب، ثم صدرت تصريحات لاحقة تتحدث عن استمرار العمليات للوصول إلى المنطقة نفسها، كما أعلن عن السيطرة على المخا، في حين ظهرت روايات مضادة تتحدث عن استمرار وجود قوات أنصار الله في أجزاء من المنطقة.
هذا التضارب لا يعني بالضرورة أن جميع البيانات كاذبة، لكنه يعكس طبيعة الحرب الإعلامية المصاحبة للعمليات العسكرية.
كل طرف يحاول تثبيت روايته قبل أن تستقر الصورة الميدانية. وفي مثل هذه الظروف يصبح الإعلان عن «السيطرة» مختلفاً عن السيطرة العسكرية الفعلية. فالموقع قد يدخل إليه المقاتلون لساعات، ثم يتعرض لهجوم مضاد، أو ينسحب منه الطرف الآخر دون أن يكون قد فقد قدرته على ضربه.
ولهذا فإن الحكم الحقيقي على نتائج معركة الساحل يحتاج إلى مراقبة خطوط الإمداد ومواقع القوات خلال الأيام المقبلة، وليس الاكتفاء بالبيانات الصادرة خلال الساعات الأولى.
السعودية أمام معادلة مختلفة
السعودية لا تخوض اليوم المعركة نفسها التي خاضتها قبل سنوات.
الظروف السياسية والإقليمية تغيرت، كما تغيرت طبيعة التهديدات العسكرية. لكن دخول الطيران السعودي بهذه القوة يعني أن الرياض ترى أن ما يجري في اليمن تجاوز حدود الصراع الداخلي وأصبح يمس أمنها المباشر.
وهنا تكمن المشكلة.
كلما توسعت العمليات الجوية السعودية داخل اليمن، أصبحت جماعة أنصار الله أمام مبرر سياسي وعسكري لتوسيع ردها باتجاه السعودية. وقد بدأت الجماعة بالفعل بإطلاق تحذيرات تتعلق بالطيران السعودي والمطارات والمنشآت الحيوية.
ولا يعني الإعلان عن «حظر جوي» على السعودية أن الجماعة فرضت بالفعل منطقة حظر جوي، فهذا أمر مختلف تماماً من الناحية العسكرية. لكنه يعكس رغبتها في نقل المعركة إلى المجال الذي تستطيع فيه الضغط على السعودية، أي المجال الجوي والمنشآت الاقتصادية والطاقة والمطارات.
وبالتالي فإن الرياض تواجه معادلة صعبة: تحقيق تقدم سريع داخل اليمن من دون السماح للحرب بأن تتحول مرة أخرى إلى حرب استنزاف داخل الأراضي السعودية.
حلف مكة أمام أول اختبار حقيقي
التطور الآخر الذي يستحق التوقف عنده هو دخول حلف مكة مرحلة التطبيق العملي.
السعودية وتركيا وباكستان انتقلت من الإطار السياسي للتحالف إلى ترتيبات دفاعية عملية، مع الحديث عن توفير قدرات عسكرية ونشرها داخل السعودية وفق الاتفاقات القائمة.
هذه الخطوة مهمة لأنها تمنح السعودية مساحة أكبر لإعادة توزيع قدراتها العسكرية. فإذا تولت قوات تركية وباكستانية جزءاً من مهام الدفاع الجوي وحماية المنشآت والمواقع الحيوية، يمكن للقوات السعودية أن تركز بصورة أكبر على العمليات المرتبطة بالجبهة اليمنية.
لكن الأمر لا يخلو من حسابات معقدة بالنسبة إلى أنقرة وإسلام آباد.
فالمشاركة في الدفاع عن الأراضي السعودية تختلف تماماً عن المشاركة في الحرب داخل اليمن. الأولى يمكن تقديمها باعتبارها التزاماً دفاعياً بين دول متحالفة، أما الثانية فقد تجعل تركيا وباكستان طرفين مباشرين في الحرب.
وهذا يفسر على الأرجح الحذر في تحديد طبيعة الدور الذي سيؤديه البلدان خلال المرحلة المقبلة.
ماذا يعني ذلك لليمن؟
اليمن هو الطرف الذي سيدفع الثمن الأكبر إذا تحولت الجولة الحالية إلى حرب طويلة.
فالمناطق التي تدور فيها العمليات ليست مجرد خطوط تماس عسكرية. إنها طرق وموانئ ومناطق سكنية وممرات تجارية، وأي اتساع للقتال يعني مزيداً من النزوح وتعطلاً في الحركة التجارية وتراجعاً في النشاط الاقتصادي.
والأخطر أن الصراع قد يعيد إنتاج الانقسامات داخل المعسكر المناهض لأنصار الله.
القوات الحكومية، والقوات الجنوبية، والتشكيلات المحلية، والقوى المدعومة من أطراف إقليمية مختلفة، ليست بالضرورة صاحبة رؤية سياسية وعسكرية واحدة. وقد تظهر هذه الخلافات بصورة أكبر إذا تمكنت القوات الحكومية من استعادة مناطق استراتيجية في الساحل.
لذلك فإن المعركة العسكرية قد تنجح في تغيير خطوط السيطرة من دون أن تنتج بالضرورة تسوية سياسية جديدة.
ماذا يعني ذلك للسعودية؟
بالنسبة إلى السعودية، فإن السيطرة على أجزاء من الساحل اليمني قد تمنحها عمقاً أمنياً أفضل وتقلل من قدرة أنصار الله على الاقتراب من بعض المناطق الاستراتيجية.
لكن هذا المكسب سيبقى مرتبطاً بقدرة القوات الحكومية على الاحتفاظ بما تستعيده.
فالسيطرة على موقع ليست هي المشكلة الأصعب؛ المشكلة هي تأمينه، وحمايته من الطائرات المسيرة، وتأمين خطوط الإمداد إليه، ومنع تحوله إلى هدف مستنزف للقوات الموجودة فيه.
وإذا فشلت القوات الحكومية في تثبيت مواقعها، فإن العملية قد تتحول من هجوم سريع إلى حرب استنزاف جديدة.
البحر الأحمر هو الخطر الأكبر
ربما تكون هذه النقطة هي الأهم بالنسبة إلى المجتمع الدولي.
فالحرب اليمنية لم تعد شأناً يمنياً خالصاً منذ اللحظة التي أصبحت فيها باب المندب جزءاً أساسياً من العمليات العسكرية.
أي تهديد طويل الأمد للملاحة في هذه المنطقة ستكون له انعكاسات مباشرة على تكلفة نقل البضائع والطاقة والتأمين البحري، وعلى حركة السفن بين آسيا وأوروبا.
كما أن الشركات لا تحتاج بالضرورة إلى إغلاق المضيق حتى تغير مساراتها. يكفي ارتفاع مستوى الخطر وارتفاع تكاليف التأمين والحماية حتى تبدأ بعض شركات النقل في اختيار طرق بديلة.
وهذا يعني أن استمرار الحرب قد يجعل البحر الأحمر جزءاً من المعركة الاقتصادية، حتى إذا بقيت حركة الملاحة مستمرة بصورة جزئية.
تقدير موقف عام
المعركة الحالية تبدو في بدايتها، ومن المبكر التعامل مع التحركات العسكرية التي حدثت خلال يوم واحد باعتبارها تحولاً نهائياً في ميزان الحرب.
القوات الحكومية حصلت على دعم جوي سعودي واسع وتمكنت من تحقيق تقدم في مناطق مهمة على الساحل الغربي، لكن جماعة أنصار الله احتفظت بقدرتها على فتح جبهات أخرى واستخدام الصواريخ والطائرات المسيرة، وهو ما يجعل المعركة أبعد من أن تحسمها السيطرة على ذوباب أو المخا وحدهما.
وفي المقابل، فإن السعودية تبدو أمام محاولة لإعادة رسم البيئة الأمنية على حدودها الجنوبية، لكنها تخاطر في الوقت نفسه بعودة نمط الحرب الممتدة إذا لم تتحول المكاسب العسكرية إلى ترتيبات سياسية.
أما حلف مكة، فقد دخل مرحلة الاختبار الفعلي، وستحدد طبيعة الانتشار التركي والباكستاني خلال الأيام والأسابيع المقبلة ما إذا كان التحالف سيظل إطاراً دفاعياً لحماية السعودية أم سيتطور إلى دور أوسع في الحرب.
ويبقى باب المندب العامل الأكثر حساسية في كل هذه المعادلة. فالمعركة هناك لن تحدد فقط من يسيطر على جزء من الساحل اليمني، بل ستحدد مستوى المخاطر التي ستواجهها حركة التجارة الدولية في البحر الأحمر.
والخلاصة الأوسع أن اليمن يقف أمام احتمالين متناقضين. الأول أن تكون العملية الحالية محاولة ضغط عسكري تؤدي في النهاية إلى العودة إلى التفاوض من موقع مختلف. والثاني أن تتحول إلى بداية دورة جديدة من الحرب الإقليمية المفتوحة.
حتى الآن لا توجد مؤشرات كافية تسمح بالحسم بين الاحتمالين. لكن المؤكد أن استمرار العمليات حول باب المندب، واتساع الدور السعودي، ودخول حلف مكة إلى مرحلة التنفيذ، سيجعل الأزمة اليمنية خلال الفترة المقبلة أكثر ارتباطاً بأمن السعودية والبحر الأحمر والتجارة الدولية من أي وقت منذ توقف الحرب الواسعة عام 2022. ولهذا فإن وقف التصعيد لا يمثل فقط مصلحة يمنية أو سعودية، بل يرتبط أيضاً بمنع تحول باب المندب إلى جبهة إقليمية دائمة، لأن استمرار القتال في هذه المنطقة سيجعل تداعيات الحرب تتجاوز حدود اليمن إلى الاقتصاد والأمن البحري في المنطقة




