Reading in العربية (Arabic) | Read in English
بين أروقة السياسية ، الاجتماع على طاولة سرية واحدة يعني أن هنالك خريطة مخفية عن العالم بأكمله ، وما يجلس حولها ليس مجرد رؤساء بل خرائط نفوذ ، وذاكرة حروب ، ومخاوف دول ، وأحلام إمبراطوريات تبحث عن مكانها في القرن الجديد ، ولذلك تبدو فكرة اجتماع ” دونالد ترامب وفلاديمير بوتين وشي جين بينغ ” أن تحققت في الصين خلال قمة ” آبيك ” في نوفمبر أكبر من مجرد صورة تجمع ثلاثة رجال في غرفة واحدة ، فالكرملين أشار إلى احتمال اللقاء فيما لم تتحول الفكرة بعد إلى اتفاق نهائي
الا أن السؤال المهم هنا ليس : هل سيجتمعون؟ بل : لماذا أصبحت فكرة اجتماعهم ممكنة الآن؟ ، لتاتي الأجابة من اتساع السياسة الدولية ومركزها المحوري اليوم ، في : أن العالم الذي عرفناه لم يعد يقف على مركز واحد ، حيث أن واشنطن ما زالت تمتلك قوة عسكرية واقتصادية هائلة ، وموسكو تملك ثقلها النووي والجيوسياسي ، بينما تتحول بكين إلى مركز اقتصادي وتقني وسياسي قادر على إعادة رسم مساحات واسعة من العلاقات الدولية ، ثلاث قوى وثلاث رؤى مختلفة وثلاثة رجال يعرف كل واحد منهم أن القرن الحادي والعشرين لن يكتب بقلم واحد
فإذا حدث اللقاء في الصين فإن المكان نفسه سيحمل رسالة ، لأن بكين لن تكون مجرد مضيف بل ستكون صاحبة الأرض التي تستقبل خصمين استراتيجيين على طاولتها ، فهي لا تحتاج إلى الاختيار بين واشنطن وموسكو بل تريد أن تصبح النقطة التي لا يستطيع أي منهما تجاوزها ، ففي محادثات ” ترامب وشي ” الأخيرة حضرت التجارة والذكاء الاصطناعي وتايوان وأوكرانيا والشرق الأوسط إلى جانب قنوات إدارة الأزمات ، ومن هنا تبدو المعادلة الصينية أكثر تعقيدا مما ينظر إليها ، بأن تبقى قريبة من روسيا بما يكفي للتأثير فيها وقريبة من أمريكا بما يكفي للتفاوض معها وبعيدة عن الطرفين بما يكفي للحفاظ على استقلال قرارها ، اي إنها محاولة للانتقال من لاعب في النظام الدولي إلى أحد مهندسيه
أما ” بوتين ” فقد لا ينظر إلى الاجتماع باعتباره فرصة للصورة بل فرصة لإعادة تعريف موقع روسيا ، حيث أن روسيا لا تريد أن تختزل في حرب أوكرانيا ولا أن يصبح مستقبلها رهينة للعقوبات أو للتفاهمات الغربية ، ولهذا تنظر موسكو إلى واشنطن وبكين باعتبارهما مساحتين للمناورة ، فمع واشنطن صراع وتفاوض ، ومع بكين شراكة استراتيجية ومصالح متشابكة ، وفي ظل ما تملكه روسيا اليوم من قدرات نووية وطاقة وجغرافيا يجعلها طرفا لا يمكن تجاوزه بسهولة
أما ” ترامب ” فيدخل هذه المعادلة بمنطق مختلف ، فهو يتعامل مع العلاقات الدولية باعتبارها مساحات للمصالح والقوة التفاوضية ، واجتماع ” بوتين وشي ” أمامه قد يمنحه فرصة لقياس المسافة بين موسكو وبكين ومعرفة أين يمكن الضغط وأين يمكن التفاوض ، الا أن الطاولة قد تكشف لواشنطن حقيقة أخرى وهي أن موسكو وبكين رغم اختلاف مصالحهما لا تريدان عالما تكون فيه الولايات المتحدة صاحبة الكلمة الأخيرة في كل ملف
ومن الجانب التيواني والاوكراني ، فستكون أوكرانيا حاضرة حتى لو لم تكن العنوان الرسمي للقاء ، أما تايوان فستجلس في الغرفة حتما حتى لو لم يذكر اسمها ، فأوكرانيا بالنسبة لموسكو قضية أمن ونفوذ ، وتايوان بالنسبة لبكين قضية سيادة وهوية وحدود لا تقبل المساومة بسهولة ، ولذلك فإن أي حوار ” أمريكي ، صيني ، روسي ” لن يكون مجرد نقاش حول أزمة قائمة بل محاولة لمعرفة الخطوط الحمراء لكل قوة
ولذلك ستكون أوروبا والشرق الأوسط على انتظار موعد هذا اللقاء ، حيث ستراقب أوروبا الطاولة بعناية لأن أي تفاهم ” أمريكي / روسي ” حول أوكرانيا أو الأمن الأوروبي ستكون له نتائج مباشرة عليها ، أما الشرق الأوسط فلن يكون بعيدا ، فالطاقة تمر من ممراته والتجارة تعبر بحاره والأمن الدولي يتقاطع مع أزماته ، ووجود ” واشنطن وموسكو وبكين ” في المنطقة يجعل أي تفاهم بين القوى الثلاث ذا انعكاسات تتجاوز حدود القاعة ، لكن الأهم أن الشرق الأوسط قد لا يحتاج إلى أن يكون بندا مكتوبا حتى يكون حاضرا في الحسابات ، فأحيانا تكون الجغرافيا نفسها بندا سريا
أن في هذا اللقاء قد تبدو الصورة شبيهة بمؤتمرات القوى الكبرى التي أعادت رسم العالم بعد الحروب ، لكن القرن الحالي أكثر تعقيدا ، فلم تعد الخريطة ملكا لثلاث عواصم فقط فهناك قوى إقليمية ، وأسواق ، وشركات تقنية ، وممرات بحرية ، وطاقة ، وذكاء اصطناعي ، وأزمات عابرة للحدود ، لذلك إذا اجتمع ” ترامب وبوتين وشي ” فلن يكونوا بالضرورة بصدد تقسيم العالم بل ربما سيكونون أمام سؤال أصعب ، في : من يملك حق كتابة قواعد العالم عندما لا يعود العالم يقبل كاتبا واحدا ؟
فقد لا تولد من الطاولة إمبراطورية جديدة ولا اتفاق تاريخي ، لكن مجرد اجتماعهم إذا حدث سيحمل رسالة واحدة وهي : أن زمن القوة المنفردة يواجه اختبارا جديدا ، وأن القرن القادم لن يكتب في واشنطن أو موسكو أو بكين وحدها بل في المسافة المتوترة بينها ، وفي السياسة أحيانا لا يكون أخطر ما يحدث هو ما يقوله الرجال حول الطاولة بل ما يدركه العالم من طريقة جلوسهم معا .




