حين ينتهي توقيع 4+4 تبدأ معركة السلطة
Spread the love

Reading in العربية (Arabic) | Read in English

في ليبيا، لا تكمن المشكلة دائمًا في توقيع الاتفاقات، وإنما في ما يحدث بعد التوقيع.

فالتاريخ السياسي الليبي خلال السنوات الماضية مليء بالوثائق والتفاهمات والخرائط والاتفاقات التي احتفى بها البعض باعتبارها اختراقًا تاريخيًا، وهاجمها آخرون باعتبارها مؤامرة أو تنازلًا، قبل أن تنتهي في كثير من الأحيان إلى نتيجة واحدة: مرحلة انتقالية جديدة، وسلطة مؤقتة أخرى، وانقسام يتخذ شكلًا جديدًا دون أن تتغير قواعد اللعبة.

ولهذا فإن اتفاق لجنة 4+4 الذي جرى توقيعه في طرابلس برعاية بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا يجب ألا يُقرأ باعتباره نهاية للأزمة، ولا باعتباره انتصارًا لطرف على آخر. أهميته الحقيقية تكمن في شيء أكثر بساطة وأكثر تعقيدًا في الوقت نفسه: أنه أزال عقبة من طريق طويل، لكنه لم يصل بعد إلى نهايته.

لقد تناول الاتفاق عددًا من الملفات التي ظلت عالقة أمام العملية السياسية، وفي مقدمتها استكمال الوضع القانوني لمجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، ومعالجة عدد من القضايا المرتبطة بالقوانين الانتخابية والإطار الدستوري.

وقد يبدو ذلك للبعض مجرد تفصيل قانوني أو إجرائي، لكنه في الحالة الليبية ليس كذلك. فكل تفصيل يتعلق بالانتخابات يتحول سريعًا إلى جزء من الصراع على شكل الدولة ومن يملك مفاتيح المرحلة المقبلة.

لكن الأهم أن اتفاق 4+4 لا يمكن فصله عن المسار الأممي الأوسع الذي بدأ بخارطة الطريق التي أعلنتها بعثة الأمم المتحدة في أغسطس 2025، والتي اصطدمت منذ مراحلها الأولى بعجز مجلسي النواب والدولة عن تحقيق الاختراق المطلوب، في ظل استمرار الانقسام المؤسسي وتعدد مراكز النفوذ ووجود سلطات أمر واقع تتنافس على الشرعية والموارد والنفوذ.

وعندما تعذر تحقيق التقدم من خلال القنوات التقليدية، لجأت البعثة إلى مسارات بديلة، من اللجنة الاستشارية إلى الحوار المهيكل ثم إلى لجنة 4+4.

وهذا التسلسل مهم للغاية.

لأن معنى الوصول إلى 4+4 ليس أن الأزمة انتهت، وإنما أن مسارًا جديدًا بدأ لتجاوز حالة الانسداد.

ومن هنا يجب أن يتغير السؤال.

بدلًا من أن نسأل: من ربح 4+4؟

علينا أن نسأل: من يريد أن يربح ليبيا بعد 4+4؟

الاتفاق الذي يريد الجميع أن يفسروه بطريقته

ربما كان أكثر ما كشفه الاتفاق هو حجم الاستقطاب الذي ما زال يحكم المشهد الليبي.

هناك من قرأه باعتباره انتصارًا سياسيًا لطرف، وهناك من قرأه باعتباره خسارة لطرف آخر، بينما تعامل معه آخرون باعتباره فرصة يجب استثمارها.

وهذه القراءات ليست بريئة تمامًا؛ فكل طرف ينظر إلى الاتفاق من موقعه داخل الصراع.

حكومة الوحدة الوطنية وأنصارها يبحثون عن ضمانات لاستمرار نفوذهم أو على الأقل عن موقع آمن في الترتيبات المقبلة. وبعد سنوات من البقاء في السلطة وتراكم الأزمات، لم تعد القضية بالنسبة إليهم مجرد إدارة حكومة، وإنما كيفية الخروج من المرحلة الانتقالية بأقل قدر ممكن من الخسائر السياسية.

وفي الجانب الآخر، ترى القيادة العامة والقوى السياسية المرتبطة بها أن إعادة ترتيب المشهد السياسي قد تفتح الباب أمام انتقال النفوذ الذي تكرس على الأرض إلى نفوذ سياسي ومؤسساتي أكثر وضوحًا، وربما إلى طموحات رئاسية طالما كانت جزءًا من الحسابات السياسية في الشرق.

لكن هنا يجب وضع حد واضح لمحاولات تحميل الاتفاق أكثر مما يحتمل.

4+4 لا يمنح الدبيبة صك بقاء، ولا يمنح خصومه صك وصول إلى السلطة.

الاتفاق لا يقرر مسبقًا من سيكون رئيس الدولة، ولا من سيقود الحكومة المقبلة، ولا يمنح أي طرف تفويضًا مفتوحًا لإدارة المرحلة القادمة.

ومن يحاول تقديمه باعتباره كذلك لا يشرح الاتفاق، وإنما يفسره وفقًا لما يريد أن يكون عليه المشهد.

وهذه نقطة جوهرية؛ لأن أخطر ما يمكن أن يحدث في ليبيا هو أن تتحول الوثائق السياسية إلى نصوص مختلفة بعدد الأطراف التي تقرأها.

الرفض حق… لكن الحرب ليست سياسة

في الجهة المقابلة، ظهر رفض حاد للاتفاق من قوى وشخصيات سياسية ودينية، وفي مقدمتها أطراف مرتبطة بدار الإفتاء ومن يدور في فضائها السياسي.

ومن حيث المبدأ، لا توجد مشكلة في رفض الاتفاق.

بل إن وجود المعارضة والاختلاف والنقد جزء طبيعي من أي عملية سياسية.

المشكلة تبدأ عندما يصبح السلاح أو التهديد بالحرب لغة بديلة عن السياسة.

ليبيا دفعت خلال السنوات الماضية ثمنًا لا يمكن تجاهله نتيجة هذا المنطق. وفي كل مرة عجز فيها السياسيون عن الوصول إلى تفاهم، كان هناك من يحاول تحويل الخلاف إلى مواجهة مسلحة، ثم ينتهي الأمر باتفاق جديد لا يحل المشكلة وإنما يؤجلها.

لا يمكن بناء دولة بهذه الطريقة.

ولا يمكن أن تكون كل تسوية سياسية مقدمة لمعركة عسكرية جديدة.

ومن حق أي طرف أن يقول «لا» للاتفاق، لكنه ليس من حقه أن يقول «لا» للدولة إذا لم تأتِ النتيجة وفق مصالحه.

أما الترحيب الحقيقي فيجب أن يكون مشروطًا

الموقف الأكثر عقلانية، في تقديري، هو الترحيب بالاتفاق باعتباره خطوة قابلة للبناء، مع رفض تحويله إلى شيك على بياض لأي طرف.

وهنا يبرز الموقف الذي عبّر عنه رئيس الحزب الديمقراطي الأستاذ محمد صوان، والذي يمكن قراءته ضمن رؤية تعتبر الاتفاق خطوة لكسر الجمود واستكمال المسار السياسي، لا باعتباره تسوية نهائية للأزمة.

وهذا التفريق بالغ الأهمية.

فالترحيب بالخطوة لا يعني الموافقة على كل ما قد يأتي بعدها.

ودعم المسار لا يعني التخلي عن حق مراقبته ونقده.

بل ربما يكون العكس هو الصحيح: كلما اقتربنا من المرحلة الأكثر حساسية، أصبح من الضروري أن تكون القوى الوطنية أكثر يقظة، لأن الصراع الحقيقي لن يكون على تفسير 4+4، وإنما على ما سيأتي بعده.

هنا تبدأ المعركة الحقيقية

بعد إزالة بعض العقبات المتعلقة بالانتخابات، ستنتقل المواجهة السياسية تلقائيًا إلى السؤال الأكثر حساسية: من سيدير ليبيا قبل الانتخابات؟

وهنا ستكون المعركة أصعب بكثير.

لأن تشكيل السلطة التنفيذية الجديدة لن يكون مجرد اختيار رئيس حكومة وبعض الوزراء.

إنه في جوهره إعادة توزيع للنفوذ السياسي والاقتصادي والأمني.

ولهذا فإن كل الأطراف ستسعى إلى التأثير في شكل السلطة المقبلة، وكل طرف سيحاول ضمان أن تكون له حصة مؤثرة فيها.

وهنا تكمن الخطورة.

إذا كان الهدف هو استبدال حكومة بحكومة، وتغيير أسماء الوزراء مع بقاء شبكات النفوذ نفسها، فلن تكون ليبيا قد قطعت خطوة إلى الأمام.

ستكون فقط قد أعادت تدوير الأزمة.

ما تحتاجه ليبيا ليس حكومة انتقالية جديدة تعيش سنوات إضافية، وإنما سلطة تنفيذية موحدة ومحددة المدة والصلاحيات، تكون مهمتها الأساسية واضحة: توحيد مؤسسات الدولة، توفير البيئة السياسية والأمنية المناسبة، معالجة الاختلالات التي تعيق الانتخابات، ثم الذهاب إلى انتخابات عامة حقيقية.

أي سلطة لا تملك هذا الأفق الزمني الواضح ستصبح مرشحة لأن تتحول من مرحلة انتقالية إلى نظام دائم مؤقت، وهو التعبير الأكثر غرابة الذي ابتكره الواقع الليبي خلال السنوات الماضية.

لا نريد تغيير الوجوه فقط

لقد أثبتت التجربة الليبية أن تغيير الأشخاص أسهل بكثير من تغيير المنظومة.

يمكن تشكيل حكومة في أيام.

يمكن تغيير الوزراء.

يمكن توزيع المناصب.

يمكن إصدار بيانات عن بداية مرحلة جديدة.

لكن الأصعب هو تفكيك منظومة المصالح التي جعلت من المرحلة الانتقالية مصدرًا دائمًا للنفوذ والثروة.

ولهذا فإن نجاح المرحلة المقبلة يجب ألا يقاس بعدد الشخصيات التي ستغادر مواقعها، وإنما بمدى قدرتها على تغيير قواعد إدارة الدولة.

فإذا بقيت شبكات الفساد كما هي، واستمر استخدام المؤسسات العامة كأدوات للصراع، وظلت الموارد النفطية والمالية محل مساومة سياسية، وبقي السلاح خارج الإطار المؤسسي، فلن يكون تغيير الحكومة أكثر من عملية تجميل سياسي.

والليبيون لا يحتاجون إلى تجميل جديد.

يحتاجون إلى تغيير حقيقي.

من يملك حق المشاركة في صناعة المستقبل؟

هناك سؤال آخر لا ينبغي تجاهله.

من سيشارك في صناعة السلطة المقبلة؟

هل ستظل ليبيا رهينة تفاهمات محدودة بين عدد من القوى والشخصيات التي تمتلك أدوات القوة والنفوذ؟ أم ستفتح العملية السياسية أبوابها أمام دائرة أوسع من القوى السياسية والاجتماعية والوطنية؟

إن بناء شرعية جديدة لا يمكن أن يتم عبر ترتيبات مغلقة.

وإذا كانت الأمم المتحدة تريد بالفعل إنهاء الأزمة، فإن المرحلة المقبلة تحتاج إلى حوار وطني أوسع وأكثر شمولًا، يتيح للقوى السياسية والمدنية والاجتماعية أن تكون جزءًا من صناعة التوافق، لا مجرد متلقٍ لنتائجه.

فكلما اتسعت دائرة المشاركة، زادت فرص حماية أي اتفاق من الانهيار.

أما عندما يشعر جزء واسع من المجتمع السياسي بأنه مستبعد، فإن أي تسوية ستظل معرضة للطعن والتعطيل وربما الانفجار.

وعلى المجتمع الدولي أن يتوقف عن إدارة الأزمة

ربما يكون هذا هو الاختبار الأكبر بالنسبة للمجتمع الدولي.

فليبيا لم تعد تحتاج إلى إدارة أزمتها بالقدر الذي تحتاج فيه إلى إنهائها.

هناك فرق هائل بين الاثنين.

إدارة الأزمة تعني إبقاء التوازن قائمًا بين القوى المتنافسة ومنع الانفجار الكبير.

أما حل الأزمة فيعني تغيير الظروف التي تجعل الصراع مستمرًا أصلًا.

وهذا يتطلب من المجتمع الدولي، وبالأخص بعثة الأمم المتحدة، أن يكون أكثر وضوحًا في التعامل مع من يعرقل الانتقال إلى الدولة، وأن يربط الدعم السياسي بمسار واضح نحو المؤسسات الموحدة والانتخابات.

كما يتطلب التعامل بجدية مع الملفات التي ظلت حاضرة في تقارير الأمم المتحدة، من تهريب الوقود والفساد والاستيلاء على الموارد إلى الانتهاكات التي تمس حقوق الليبيين.

فلا يمكن بناء دولة ديمقراطية بينما تتحول موارد الدولة إلى وقود للصراع السياسي.

ولا يمكن الحديث عن انتخابات حرة إذا ظلت شبكات المال والنفوذ قادرة على شراء النفوذ السياسي.

4+4 فرصة… وليس نهاية القصة

قد يكون من المبكر الاحتفال باتفاق 4+4 وكأن ليبيا دخلت بالفعل مرحلة جديدة.

وقد يكون من الخطأ أيضًا التعامل معه باعتباره كارثة أو مؤامرة لمجرد أن بعض نتائجه لا تتوافق مع مصالح هذا الطرف أو ذاك.

الحقيقة أبسط من ذلك وأكثر أهمية.

الاتفاق خطوة.

والخطوة تستحق الدعم إذا كانت تقود إلى الأمام.

لكنها تستحق الرقابة والنقد إذا بدأ استخدامها للعودة إلى الخلف.

القيمة الحقيقية لـ4+4 لن تحددها التصريحات التي خرجت بعد التوقيع، ولا البيانات التي احتفلت به أو هاجمته.

ستحددها المرحلة التالية.

فإذا قاد إلى سلطة تنفيذية موحدة، محددة المدة، واضحة المهمة، ثم إلى انتخابات حقيقية، فسيكون قد أدى وظيفته التاريخية.

أما إذا تحول إلى بوابة لتوزيع جديد للمناصب، وإعادة إنتاج شبكات النفوذ، وإطالة عمر المرحلة الانتقالية، فسوف يكون مجرد اتفاق آخر يضاف إلى أرشيف طويل من الاتفاقات التي نجحت في إنتاج الهدوء المؤقت وفشلت في إنتاج الدولة.

ولهذا فإن المعركة الحقيقية لم تبدأ يوم توقيع 4+4.

المعركة الحقيقية تبدأ بعده.

وهي ليست معركة بين شرق وغرب، ولا بين حكومة وأخرى، ولا بين شخصيات تبحث عن موقع في السلطة.

إنها معركة أعمق بكثير:

هل ستنجح ليبيا أخيرًا في الانتقال من دولة تُدار بالتفاهمات المؤقتة وتقاسم النفوذ إلى دولة تُدار بالمؤسسات والقانون والانتخابات؟

هذا هو الاختبار.

وهذا هو السؤال الذي يجب أن يشغل الليبيين الآن.

فالمطلوب ليس أن نعرف من سيرث السلطة بعد 4+4.

المطلوب أن نعرف هل ستبقى السلطة نفسها إرثًا يتوارثه المتنافسون، أم ستعود أخيرًا إلى صاحبها الحقيقي: الشعب الليبي؟

التاريخ

عن الكاتب

المزيد من
المقالات