خاصف النعل ومعركة التأويل
Spread the love

Reading in العربية (Arabic) | Read in English

ليست رواية «خاصف النعل» مجرد فضيلة من فضائل الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ولا حادثة عابرة وردت في سياق الحديث عن أصحابه، بل تحمل دلالة عميقة تتصل بمسألة التأويل وموقع علي من الصراع حول فهم النص القرآني وتطبيقه. فقد ورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «إن منكم من يقاتل على تأويل هذا القرآن كما قاتلت على تنزيله»، فلما استشرف الصحابة لمعرفة من يكون ذلك الرجل قال: «لا، ولكنه خاصف النعل»، وكان علي رضي الله عنه يخصف نعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وقد صحح شعيب الأرناؤوط رواية مسند أحمد، كما وردت الرواية بألفاظ قريبة في السنن الكبرى للنسائي وصحيح ابن حبان.

تكمن أهمية هذه الرواية في أنها تضع الإمام علي في موقع يتجاوز مجرد السبق والقرابة والمكانة، إلى موقع صاحب التأويل في مرحلة ستصبح فيها المعركة على فهم النص جزءًا من الصراع السياسي والعسكري داخل الأمة. فالنبي قاتل على تنزيل القرآن حين كانت المعركة بين الإسلام والشرك، بينما تشير الرواية إلى أن عليًا سيقاتل على تأويله حين يصبح الخلاف داخل مجتمع المسلمين نفسه، وحين يكون النزاع حول معنى النص وكيفية تنزيله على الواقع.

ومن هنا تبدو شخصية علي رضي الله عنه مختلفة عن الصورة التي حاولت بعض القراءات التاريخية اختزالها فيها. لم يكن علي مجرد رابع الخلفاء أو أحد كبار الصحابة، بل كان من أكثر الشخصيات التصاقًا برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ومن أقرب الناس إليه نسبًا ومصاهرة، ومن أوائل من آمن به، وصاحب علم وقضاء وشجاعة وموقف واضح من علاقة الدين بالسلطة والعدل بالسياسة.

ولهذا فإن قراءة مرحلة ما بعد وفاة الرسول لا ينبغي أن تبدأ من المسلمات السياسية التي استقرت لاحقًا، ثم تبحث عن الأدلة التي تؤيدها، بل ينبغي أن تعود إلى الوقائع نفسها، وأن تنظر إلى موقع علي وأهل البيت فيها دون محاولة إخفاء مناطق الخلاف أو تحويلها إلى تفاصيل هامشية.

كانت السقيفة لحظة تأسيسية في التاريخ السياسي الإسلامي. وفي الوقت الذي كان فيه علي وبنو هاشم منشغلين بتجهيز رسول الله ودفنه، كانت مشاورات السقيفة تجري حول مستقبل السلطة. ولا يعني هذا وحده إصدار حكم نهائي على جميع ما جرى، لكنه يكفي لإدراك أن انتقال السلطة لم يكن مسألة محسومة بصورة تلقائية ولا حدثًا خاليًا من التنافس والاجتهاد والخلاف.

والقراءة التي تتعامل مع السقيفة باعتبارها نهاية طبيعية لمسألة الخلافة ثم تطلب من التاريخ أن يبررها فقط، هي قراءة تغلق باب البحث قبل أن يبدأ. أما قراءة علي فتدفع إلى النظر في العلاقة بين الشورى والشرعية، وبين قوة الأمر الواقع ورضا أصحاب الحق، وبين وحدة الأمة وبين حق الشخص في الاعتراض على مسار سياسي يراه غير صحيح.

وتزداد المسألة حساسية عند الحديث عن فدك، خصوصًا أن الرواية الواردة في صحيح البخاري تذكر أن فاطمة رضي الله عنها طالبت أبا بكر بميراثها، وأن أبا بكر احتج بحديث «لا نورث ما تركنا صدقة»، وأن فاطمة غضبت منه وهجرته حتى توفيت.

هذه الرواية لا ينبغي أن تُختزل في خلاف على أرض أو مال. إنها تكشف عن وجود خلاف حقيقي بين شخصيات كانت في قلب البيت النبوي والسلطة الجديدة، ومن ثم فإن تحويل كل اعتراض يصدر عن أهل البيت إلى مجرد سوء فهم أو عاطفة شخصية لا يخدم الحقيقة التاريخية. احترام الصحابة لا يعني إلغاء حقهم في النقد، واحترام التاريخ لا يعني تحويل رجاله إلى شخصيات فوق المساءلة.

وهنا تظهر مشكلة جوهرية في بعض الخطابات السلفية الراديكالية التي تتعامل مع التاريخ المبكر باعتباره منطقة محرمة على النقد. فهي تدافع عن مبدأ نقد الرواية عندما يتعلق الأمر بمخالفيها، لكنها تتردد في تطبيق المعيار نفسه عندما تمس الروايات شخصيات ارتبطت بالسلطة السياسية الأولى. وهذا الانتقائية في التعامل مع المصادر تجعل التاريخ أحيانًا تابعًا للعقيدة السياسية بدل أن تكون العقيدة السياسية خاضعة لميزان التاريخ والنص.

أما علي رضي الله عنه فلم يكن مشروعه قائمًا على الانتقام ولا على تفكيك الجماعة، بل كان يرى أن وحدة الأمة لا تعني التخلي عن العدل، وأن اجتماع الناس لا يبرر السكوت عن الخطأ، وأن السلطة لا تصبح حقًا مطلقًا لمجرد أنها أصبحت أمرًا واقعًا. ولهذا جاءت مواقفه أكثر تعقيدًا من الصورة التي تقدمها بعض الروايات المبسطة؛ فقد شارك في الشأن العام، وتعامل مع الخلفاء، ونصح وأشار، لكنه في الوقت نفسه لم يكن مضطرًا إلى أن يتنازل عن رؤيته لمجرد المحافظة على صورة مثالية للتاريخ.

وعندما تولى علي الخلافة، وجد نفسه في مواجهة تراكم سياسي هائل. لم تكن معاركه مع أهل القبلة مجرد صراع على السلطة، بل كانت في جانب منها صراعًا حول الشرعية والتأويل وحدود الطاعة واستخدام الدين في السياسة. وفي الجمل وصفين والنهروان أصبح القرآن حاضرًا في قلب الصراع، وأصبحت المشكلة ليست في وجود النص، وإنما في كيفية فهمه وتوظيفه.

وهنا تتضح قيمة حديث خاصف النعل بصورة أكبر. فالمعركة التي قاتل فيها علي لم تكن ضد القرآن، بل حول تأويله، وهذه نقطة شديدة الأهمية لأن التاريخ الإسلامي يثبت أن امتلاك النص لا يعني بالضرورة امتلاك الحقيقة. فقد يرفع الإنسان القرآن، لكنه يقرأه بعين السلطة أو العصبية أو المصلحة، وقد يتحول النص المقدس إلى أداة في معركة سياسية إذا انفصل عن العدل والمقاصد التي جاء من أجلها.

وهذا ما يجعل تجربة الخوارج واحدة من أوضح الأمثلة على خطورة القراءة الحرفية المنفصلة عن مقاصد النص. فشعار «لا حكم إلا لله» في ذاته حق، لكن المشكلة كانت في تحويل الحق المجرد إلى أداة لإسقاط الواقع وتعقيد الصراع، حتى أصبح الشعار القرآني نفسه وسيلة للحكم على المسلمين واستباحة دمائهم. وهنا كان موقف علي أكثر عمقًا، لأنه لم يرفض النص وإنما رفض استخدامه خارج سياقه ومقاصده.

من هذه الزاوية يصبح علي نموذجًا مختلفًا في التعامل مع الدين والسياسة. فهو لا يقدس السلطة لأنها سلطة، ولا يرفض الجماعة لمجرد اختلافها معه، ولا يحول النص إلى شعار منفصل عن العدل. بل يضع الإنسان والسلطة والاجتهاد السياسي جميعًا تحت ميزان الحق.

ولهذا فإن الانحياز إلى علي في قراءة هذه المرحلة لا يعني الإساءة إلى أبي بكر أو عمر أو عثمان رضي الله عنهم، ولا يعني تبني سردية مذهبية مغلقة، وإنما يعني منح علي المكانة التي تسمح بها النصوص والوقائع، وعدم إخضاع شخصيته لموازين سياسية تشكلت بعده ثم أعيد إسقاطها على عصره.

المشكلة في بعض القراءات السلفية الراديكالية ليست في احترام الصحابة، فاحترام الصحابة قيمة إسلامية، وإنما في تحويل الاحترام إلى حصانة تاريخية تمنع النقد وتغلق باب المراجعة. فالتاريخ لا يصبح مقدسًا لأن شخصياته كانت قريبة من زمن النبوة، والنصوص لا تفقد قيمتها النقدية لأن نتائجها قد تكون غير مريحة للرواية الموروثة.

الإمام علي نفسه يقدم معيارًا أكثر نضجًا، إذ لا يجعل الرجال معيارًا مطلقًا للحق، بل يجعل الحق معيارًا للحكم على الرجال. وهذه الفكرة هي التي تجعل مشروعه الفكري والأخلاقي أكثر اتساقًا مع روح الإسلام من القراءة التي تبدأ بتقديس الأشخاص ثم تبحث عن تبرير كل مواقفهم.

إن قوة علي لم تكن في سيفه وحده، ولا في نسبه، ولا في قربه من رسول الله، وإنما في اجتماع العلم والعدل والشجاعة والقدرة على قراءة النص في سياقه. ولذلك فإن حديث خاصف النعل يكتسب قيمة استثنائية، لأنه يضع عليًا في قلب واحدة من أعقد القضايا التي واجهت المسلمين بعد وفاة النبي، وهي قضية الانتقال من مرحلة تنزيل الوحي إلى مرحلة تأويله وتطبيقه على واقع سياسي متغير.

وعندما نقرأ تاريخ علي من هذه الزاوية، فإننا لا نقرأ تاريخ رجل هزمته السياسة، بل تاريخ رجل حاول أن يمنع السياسة من أن تهزم الحقيقة. ولهذا بقيت مواقفه حاضرة، وبقيت كلماته تُقرأ بعد قرون، لأن القضية التي واجهها لم تكن مرتبطة بزمنه وحده، بل تتكرر كلما حاولت السلطة أن تجعل من تفسيرها للدين تفسيرًا نهائيًا، وكلما حاول الموروث أن يغلق باب الاجتهاد والنقد باسم حماية الجماعة.

إن عليًا رضي الله عنه لا يحتاج إلى اختراع فضائل له، ولا إلى صناعة خصوم له. يكفي أن نقرأ النصوص ونضعها في سياقها، وأن نترك الوقائع تتحدث بعيدًا عن الخوف من النتائج. وعندها يظهر «خاصف النعل» لا بوصفه رجلًا أصلح نعلاً لرسول الله فحسب، بل بوصفه رمزًا لرجل سيقف لاحقًا في مواجهة التأويل حين يتحول النص من هداية إلى أداة صراع.

ومن هنا فإن الدفاع عن قراءة علي ليس دفاعًا عن شخص ضد أشخاص، بل دفاع عن منهج يرى أن القرآن لا يُفهم بالشعار وحده، وأن الشرعية لا تُصنع بالقوة وحدها، وأن وحدة الأمة لا تعني دفن المظالم، وأن احترام السلف لا يعني تعطيل العقل، وأن التاريخ الإسلامي ليس متحفًا مغلقًا، بل تجربة بشرية يجب أن تُقرأ بالنص والعدل والعقل معًا.

ولعل أعظم ما بقي من علي هو هذه الروح التي تجعل الحق فوق الأشخاص، والعدل فوق السلطة، والحقيقة فوق الموروث. ولهذا فإن معركة التأويل التي أشارت إليها رواية خاصف النعل لم تنته بوفاة علي، بل بقيت مفتوحة في كل عصر، وكلما تعارضت قداسة النص مع سلطة التأويل عاد السؤال نفسه بصورة جديدة، وبقي علي حاضرًا باعتباره واحدًا من أبرز النماذج التي ربطت بين النص والعدل، وبين الدين والمسؤولية، وبين السلطة والحق.

التاريخ

عن الكاتب

المزيد من
المقالات