خط كركوك-طرابلس يُعيد لبنان إلى الخارطة الاقتصادية 
Spread the love

Reading in العربية (Arabic) | Read in English

أثار إعلان العراق عن تشكيل لجنة عليا للتفاوض مع تركيا بشأن تمديد اتفاقية تصدير النفط الخام عبر خط الأنابيب العراقي-التركي إلى ميناء جيهان تساؤلات حول مصير خط أنابيب كركوك-طرابلس، الذي ينطلق من العراق مرورًا بسوريا وصولًا إلى لبنان، وأهمية إعادة تشغيله بالنسبة للبنان والعراق على حد سواء. سيما وأن الشحنات الأخيرة من النفط العراقي إلى لبنان تم نقلها برًا عبر الأراضي السورية بواسطة صهاريج تابعة لأسطول النقل العراقي، بسبب الحرب في منطقة الخليج العربي وإغلاق مضيق هرمز وما رافقه من توتر.

بين مضيق هرمز والشروط التركية

وتأتي المفاوضات العراقية التركية في وقت شكّل فيه استهداف السفينة التي ترفع علم سنغافورة، وما تلاها من اعتداءات على غيرها من السفن، مؤشرًا إلى هشاشة الوضع الأمني في المضيق، فيما تنذر المواجهات الأميركية الإيرانية المتجددة بإمكان تقويض وقف إطلاق النار وتراجع فرص التوصل إلى اتفاق دائم بين واشنطن وطهران. مما يُبقي حركة الملاحة البحرية رهينة التطورات العسكرية والسياسية، ويُبين حاجة العراق كما غيره من دول الخليج العربي إلى مسارات بديلة عن مضيق هرمز.

في المقابل، تمر المفاوضات بين العراق وتركيا في مرحلة دقيقة، ولا سيما أن الاتفاقية الحالية تنتهي في 27 تموز/يوليو2026. فبينما يسعى العراق إلى زيادة صادراته عبر ميناء جيهان التركي لتتجاوز 350-400 ألف برميل يوميًا، وهي تقتصر حاليًا على نحو 200 ألف برميل، تتمسك تركيا بشروط تفاوضية جديدة لاستئناف ضخ النفط عبر الخط موضوع الاتفاق.

وتجدر الإشارة إلى أن الطاقة الأساسية لخط الأنابيب العراقي-التركي إلى ميناء جيهان على البحر الأبيض المتوسط، تقتصر على نحو 1.6 مليون برميل يومياً، إلا أن قدرته الفعلية تراجعت بفعل الحروب التي شهدها العراق وتوقف الضخ خلال سنوات الحصار الاقتصادي.

كركوك-طرابلس خيار استراتيجي

ومن هنا، تبرز مسألة إعادة تشغيل خط أنابيب كركوك-طرابلس كخيار استراتيجي يتيح للعراق تنويع منافذ التصدير، ويقلص من اعتماده على المسار التركي وحده. خاصة بعدما انخفضت صادرات النفط العراقية خلال أزمة آذار/مارس 2026، من نحو 4.3 ملايين برميل يوميًا إلى 800 ألف برميل فقط، ورتب خسائر مالية تُقدّر بنحو 300 مليون دولار يوميًا.

وتبلغ الطاقة الاستيعابية لخط أنابيب كركوك- طرابلس نحو 900 ألف برميل يوميًا، عبر ثلاثة خطوط رئيسية بأقطار 12 و16 و32/30 إنشًا، إضافة إلى طاقة تخزينية تقارب 2.7 مليون برميل (430 ألف متر مكعب) في منشآت النفط في طرابلس. فالزيادة في صادرات النفط التي يسعى إليها الجانب العراقي في مفاوضاته مع تركيا تبقى متواضعة أمام تراجع التصدير الذي حدث، مما يعزز فرص إعادة تشغيل خط كركوك-طرابلس بعدما رُفعت العقوبات الاقتصادية عن سوريا، التي كانت تحول دون عبور النفط العراقي إلى لبنان عبر أراضيها.

تعاون قائم

والتعاون بين لبنان والعراق على المستوى النفطي ليس جديدًا، بل يعود إلى تموز 2021 حين أبرم البلدان اتفاقًا لتزويد بيروت بمليون طن من زيت الوقود الثقيل (رفعت إلى مليون ونصف مليون عام 2022)، على أن تسدد قيمته عبر خدمات وسلع. وقد أعلن مؤخرًا مسؤول عراقي أن الحكومة الجديدة ستواصل العمل في الاتفاقية المبرمة مع لبنان، من دون تعديل.

ومن جهة أخرى، كانت وزارة النفط العراقية قد أعلنت، بمناسبة زيارة وزير الطاقة السوري إلى بغداد في آب/أغسطس 2025، أنها تدرس تصدير النفط عبر ميناء طرابلس اللبناني وإحياء خط أنابيب كركوك-طرابلس الذي يمتد لمسافة تُقارب 250 كيلومترًا داخل الأراضي السورية.

وشكّل خط كركوك-طرابلس محور بحث بين رئيس الحكومة اللبنانية القاضي نواف سلام وإحسان العوضي، المبعوث الخاص لرئيس الوزراء العراقي، خلال استقبال سلام له نهاية عام 2025، حيث أكد أن إعادة تشغيل هذا الخط يمثل أولوية قصوى لحكومته. كما تابع مدير عام الأمن العام اللواء حسن شقير البحث في هذه المسألة مع رئيس الوزراء العراقي الجديد علي الزيدي وأكد الجانبان العمل على الموضوع.

فوائد مشتركة

وتكمن أهمية إعادة تشغيل خط كركوك–طرابلس في تأمين منفذ إضافي للصادرات العراقية، يمنح العراق مرونة أكبر في إدارة صادراته، ويخفض المخاطر الجيوسياسية المرتبطة بإغلاق المضائق البحرية، ولا سيما مضيقي هرمز وباب المندب، أو تعطل غيرهما من خطوط التصدير. كما يعزز قدرة بغداد على التفاوض مع الدول التي تمر عبرها خطوط التصدير، ويمنحها هامشًا أوسع في تسويق نفطها وفقًا للمتغيرات الإقليمية والدولية.

أما بالنسبة إلى لبنان، فإن إعادة تشغيل خط كركوك–طرابلس تمثل فرصة اقتصادية واستراتيجية يصعب تعويضها، تمنح لبنان وصولًا مباشرًا إلى مصادر الطاقة، وتساهم في تحويل طرابلس إلى مركز إقليمي لتخزين النفط وإعادة تصديره، وتمهد الطريق لإعادة تأهيل وتشغيل مصفاتها.

فمن شأن إعادة التشغيل تنشيط حركة مرفأ المدينة، وخلق مئات فرص العمل المباشرة وغير المباشرة، فضلًا عن توفير إيرادات ثابتة للخزينة اللبنانية بالعملات الصعبة من رسوم العبور والتخزين والخدمات اللوجستية. وتسمح لمصفاة طرابلس بإنتاج المشتقات النفطية محليًا وتلبية الطلب المحلي بأسعار مدروسة.

شراكة استراتيجية وتكامل اقتصادي

وعليه، وفي ظل التحولات التي يشهدها النظام العالمي للطاقة، والاتجاه المتزايد نحو تنويع مسارات الإمداد وتقليص المخاطر الجيوسياسية، تبرز مسألة إعادة تشغيل خط أنابيب كركوك–طرابلس كخيار استراتيجي تفرضه اعتبارات الأمن الطاقوي والاقتصاد الإقليمي. فهي تتيح للعراق الوصول إلى منافذ جديدة آمنة ومستقرة لتصدير نفطه وخاصة باتجاه الدول الأوروبية.

وتعود بالمنفعة على سوريا من خلال رسوم عبور النفط عبر أراضيها، وتعيد لبنان إلى الخارطة الاقتصادية في المنطقة. كما تفتح الباب أمام مشاريع مشتركة لتطوير قطاع الطاقة، وتعزز الترابط الاقتصادي بين الدول الثلاث، بما يتجاوز الطابع التجاري إلى شراكة استراتيجية في مجال أمن الطاقة.

ومن هنا، فإن نجاح هذا المشروع يتطلب إرادة سياسية مشتركة، واستكمال الأطر القانونية والفنية والتمويلية اللازمة، مع ما يتطلبه ذلك من فترة زمنية لإنجاز أعمال إعادة التشغيل. وذلك بانتظار استثمار لبنان ثروته النفطية الكامنة تحت ترابه وتحت مياه منطقته الاقتصادية الخالصة.  

التاريخ

عن الكاتب

المزيد من
المقالات