علي فاروق الأمة وصديقها، لا علي كتب التراث الإسلامي
Spread the love

Reading in العربية (Arabic) | Read in English

حين نقرأ سيرة علي بن أبي طالب رضي الله عنه فإننا لا نقرأ سيرة رجل عادي مر في التاريخ ثم غاب، وإنما نقرأ سيرة إنسان كان حاضرًا في قلب واحدة من أعظم التحولات التي عرفتها البشرية. فقد كان قريبًا من رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ سنواته الأولى، وشهد معه بدايات الدعوة الإسلامية حين كان الإيمان بها موقفًا مكلفًا، وكان الوقوف إلى جانب صاحبها يعني مواجهة مجتمع كامل بكل قوته ونفوذه وعصبيته.

ولهذا فإنني لا أحب أن أتذكر عليًا فقط من خلال الخلافة أو من خلال الصراعات السياسية التي جاءت بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أحب أن تختصر شخصيته في المعارك التي خاضها أو في الخلافات التي نشأت حوله بعد ذلك بقرون، لأن عليًا كان أكبر من كل هذه العناوين، وكان حضوره في حياة النبي وفي السنوات الأولى للإسلام أعمق من أن تختصره كتب التاريخ في لقب أو معركة أو خلاف سياسي.

أحب أن أعود إلى علي الفتى، قبل أن يصبح أمير المؤمنين، وقبل أن يصبح أبا الحسنين، وقبل أن يصبح أحد أكثر الشخصيات حضورًا في الذاكرة الإسلامية. أحب أن أعود إلى ذلك الشاب الذي نشأ قريبًا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعاش معه سنوات الدعوة الأولى، وشاهد بنفسه كيف كان رجل واحد يقف أمام مجتمع كامل وهو يحمل رسالة يؤمن أنها من الله.

كان يمكن لعلي أن يختار طريقًا أكثر أمانًا، وأن يعيش مثل بقية شباب قريش، وأن يترك أمر الدعوة لمحمد بن عبد الله وحده، لكنه لم يفعل ذلك، بل بقي قريبًا من ابن عمه وشارك في تلك السنوات الصعبة التي لم يكن أحد يعرف فيها إلى أين ستنتهي هذه الدعوة، ولا كم سيبلغ عدد المؤمنين بها، ولا هل ستنتصر أم ستُدفن تحت ضغط قريش.

وهنا تكمن عظمة علي الحقيقية، لأنه لم ينضم إلى الإسلام بعدما أصبح قوة، ولم يدخل إلى صفوفه بعدما أصبح له جيش ودولة وهيبة، وإنما كان قريبًا من النبي صلى الله عليه وسلم في الأيام التي كان فيها الإسلام ضعيفًا وأتباعه قلة، وكانت قريش تنظر إلى الدعوة باعتبارها خطرًا على وجودها ومكانتها ونظامها الاجتماعي.

لقد حمل علي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئًا من ذلك الحمل الثقيل الذي وضعته الدعوة الجديدة على أكتاف أصحابها. وكان يرى بأم عينيه ما يتعرض له النبي من أذى وسخرية ومحاصرة وعداء، وكان يعرف أن الوقوف إلى جانبه ليس مجرد موقف عاطفي، وإنما اختيار لطريق قد يقوده إلى الخطر والمواجهة والموت.

ثم جاءت ليلة الهجرة لتكشف معدن هذا الفتى بصورة لا يمكن أن تنساها الذاكرة الإسلامية.

كانت قريش قد اجتمعت على قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان الخطر يحيط به من كل جانب، وكان لا بد من الخروج من مكة في سرية شديدة. وكان علي يعرف أن رجال قريش قد يقتحمون المكان في أي لحظة، ومع ذلك نام في فراش النبي صلى الله عليه وسلم.

وهنا يجب أن نتوقف قليلًا عند معنى هذه الصورة.

الشجاعة ليست دائمًا أن تمسك السيف وتواجه خصمك، وأحيانًا تكون الشجاعة أعظم حين تضع جسدك في المكان الذي يمكن أن تأتي إليه السيوف وأنت لا تعرف متى ستأتي ولا من أي جهة ستأتي.

كان علي في تلك الليلة يعرف أن الذين يبحثون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يريدون الحديث معه ولا يريدون مناقشته، وإنما يريدون قتله، وكان يعرف أن اكتشاف وجوده في الفراش قد يعني موته، ومع ذلك بقي.

لقد نام.

وهذه الكلمة البسيطة ربما تكون من أكثر الكلمات تعبيرًا عن شجاعة علي، لأن النوم يعني أنك سلّمت نفسك للحظة التي لا تعرف ماذا ستأتي بها، ولم يكن في يد علي في تلك اللحظة جيش يحميه ولا رجال يحيطون به ولا دولة تنصره، وإنما كان معه إيمانه وثقته برسول الله واستعداده لأن يدفع حياته ثمنًا لخروج النبي من مكة.

ثم لم تنته مهمته بخروج رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد بقي في مكة ليرد الأمانات إلى أصحابها، وهي صورة أخرى لا تقل دلالة عن صورة الفداء. فحتى الذين كانوا يعادون رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يضعون أماناتهم عنده، ثم خرج علي ليعيدها إليهم رغم أن مكة كانت تعرف أن الرجل الذي يحاولون قتله هو الرجل الذي يقف علي إلى جانبه.

هنا نرى شيئًا عظيمًا في أخلاق تلك المرحلة، فالإسلام لم يكن دعوة إلى العبادة فقط، وإنما كان مدرسة في الأمانة والوفاء حتى مع الخصم.

ثم انتقل علي إلى المدينة، وانتقلت معه مرحلة جديدة من حياته. فهناك لم يعد مجرد الفتى القريب من رسول الله، وإنما أصبح واحدًا من رجال الدولة الإسلامية الناشئة وأحد أبرز المدافعين عنها.

وفي بدر وأحد والخندق وخيبر ظهر علي فارسًا لا يتردد حين يتقدم الآخرون ويتراجعون، وكان سيفه حاضرًا في أكثر اللحظات حساسية من تاريخ الإسلام الأول. لكن اختزال علي في السيف ظلم لشخصيته، لأن الرجل الذي حمل السيف حمل معه عقلًا واسعًا وفهمًا عميقًا للدين والحياة والقضاء والسياسة.

لقد كان علي رجل علم كما كان رجل قتال، وكان رجل قضاء كما كان رجل ميدان، وكان قادرًا على أن يكون في مقدمة الصفوف حين تحتاج الأمة إلى فارس، وأن يكون في مجلس الحكم حين تحتاج إلى عقل، وأن يكون قريبًا من النبي صلى الله عليه وسلم حين يحتاج إلى رجل يثق به.

وفي خيبر تتجلى واحدة من أشهر فضائل علي، حين أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه أنه سيعطي الراية لرجل يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، ثم أعطاها لعلي، فكانت تلك الشهادة النبوية في حق علي أرفع من كثير من الألقاب التي جاءت بعد ذلك.

فالرجل الذي يحبه الله ورسوله لا يحتاج إلى أن يصنع لنفسه مجدًا بالألقاب، ولا يحتاج إلى أن يثبت مكانته بالصراعات السياسية، لأن مكانته كانت قد بدأت قبل أن تبدأ تلك الصراعات بوقت طويل.

وكانت علاقة علي برسول الله صلى الله عليه وسلم أعمق من مجرد علاقة ابن عم بابن عمه. فقد كان علي من أهل بيته، وكان صهره وزوج ابنته فاطمة، وكان أبًا للحسن والحسين، وكان واحدًا من أقرب الناس إليه وأكثرهم اتصالًا بحياته اليومية والدعوية والعسكرية.

وهذه القربى لم تكن مجرد قربى الدم، وإنما كانت قربى موقف وصحبة وتجربة. فقد عاش علي مع رسول الله سنوات طويلة، وشهد معه الخوف قبل النصر، وشهد الضعف قبل القوة، وشهد مكة قبل الدولة، والسرية قبل العلن.

ولهذا فإن الذين يريدون فهم علي بعيدًا عن الصراع المذهبي يجب أن يبدأوا من هذه الحقيقة البسيطة، وهي أن عليًا لم يصبح عظيمًا لأن أجيالًا جاءت بعده قررت أن تمنحه العظمة، وإنما كان عظيمًا في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه، وكان حاضرًا في اللحظات التي صنعت التاريخ الإسلامي.

ولعل من أعمق ما ارتبط بمكانة علي في الوجدان الإسلامي ما قيل في فضله من أنه قسيم الجنة والنار، ومن أنه صاحب منزلة تجعل موقف الإنسان منه كاشفًا عن حقيقة ما يحمله في قلبه من إيمان أو نفاق. وهذه المعاني وإن اختلف المسلمون في تفسير بعض رواياتها ودرجاتها ودلالاتها العقدية، فإنها تكشف عن شيء واضح في الذاكرة الإسلامية، وهو أن عليًا لم يكن مجرد شخصية سياسية، بل أصبح رمزًا للحق والوفاء والشجاعة والعدل.

ومن هنا جاءت العبارة التي تقول إن الله جعل رسوله صلى الله عليه وسلم فيصلًا بين الإسلام والكفر، وجعل عليًا فيصلًا بين الإيمان والنفاق. وهي عبارة تحمل في الوجدان الإسلامي معنى عميقًا، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان حامل الرسالة التي فرقت بين عهد الجاهلية وعهد التوحيد، بينما أصبح علي في حياة المسلمين نموذجًا للرجل الذي لم يتخل عن الحق عندما أصبح الثمن غاليًا.

وقد ورد في الحديث المشهور عن علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم عهد إليه بأنه لا يحبه إلا مؤمن ولا يبغضه إلا منافق، وهي منزلة عظيمة جعلت محبة علي في الوجدان الإسلامي أكثر من مجرد محبة لرجل من رجال التاريخ، وربطت مكانته عند المسلمين بمعاني الإيمان والوفاء والصدق.

ومن هنا أيضًا جاء وصف علي بأنه قسيم الجنة والنار، وهو تعبير ينبغي أن يفهم في إطاره التراثي والرمزي، لا بمعنى أن الحكم على مصائر الناس انتقل من الله إلى بشر، فالحكم لله وحده، وإنما بمعنى أن محبة علي والوقوف مع الحق الذي مثله أصبحت عند محبيه علامة على صدق الإيمان، وأن بغضه والعداء له أصبحا في بعض الروايات والمعاني علامة على النفاق.

وهذه الصورة تجعل عليًا في الوجدان الإسلامي أكثر من فارس حمل السيف في المعارك، فهو الرجل الذي ارتبط اسمه بمعنى التمييز بين الحق والباطل، وبين الصدق والنفاق، وبين الوفاء والخيانة، وبين أن يكون الإنسان تابعًا للمبدأ أو تابعًا لمصلحته.

ولذلك فإن عليًا لم يكن مجرد اسم في تاريخ الإسلام، وإنما كان جزءًا من صناعة ذلك التاريخ، وكانت حياته نفسها واحدة من الشهادات الحية على معنى التضحية من أجل العقيدة والمبدأ.

لقد أعطى علي للإسلام شبابه، وأعطاه قوته، وأعطاه علمه، وسيفه، ووقته، وحياته، وكان مستعدًا في أكثر من مرة لأن يضع نفسه في مقدمة الخطر عندما يتطلب الأمر ذلك.

والإنسان قد يعطي ماله ثم يستعيده، وقد يعطي وقته ثم ينتهي الوقت، وقد يعطي جهده ثم يستريح، ولكن أصعب ما يمكن أن يعطيه الإنسان هو حياته نفسها، وعلي فعل ذلك وهو في مقتبل العمر حين نام في فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الهجرة.

ومن هنا أرى أن الحديث عن علي يجب أن يتحرر من لغة الخصومة التي جاءت بعده. فكل فريق حاول أن يقدم عليًا بالطريقة التي تخدم روايته، وكل مدرسة قرأت حياته من زاوية معينة، حتى أصبح الإنسان التاريخي أحيانًا مختفيًا خلف صورة مذهبية أو سياسية.

لكن عليًا الحقيقي أكبر من ذلك كله.

هو علي الذي أحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وآمن به ونصره وعاش معه سنوات المحنة ووقف معه في المعارك وتحمل معه أعباء بناء المجتمع الجديد، ثم حمل بعد ذلك أعباء الأمة نفسها عندما أصبح خليفة.

وحتى حين وصل إلى السلطة لم تكن حياته حياة رجل يبحث عن الرفاه والامتيازات، وإنما وجد نفسه في واحدة من أصعب مراحل التاريخ الإسلامي، حيث كانت الأمة تعيش انقسامًا عميقًا وكانت الفتنة قد أصبحت واقعًا يهدد وحدة المسلمين.

ومع ذلك بقي علي كما عرفناه في بداية الطريق، رجلًا يرى أن الحق أثمن من السلطة، وأن العدالة ليست شعارًا يقال عندما يكون الإنسان خارج الحكم ثم ينساه عندما يصل إليه.

لقد كان يمكن أن يكون علي مجرد فارس عظيم وتنتهي قصته عند ساحات القتال، ولكن التاريخ أبقاه أكبر من ذلك، لأنه ترك أثرًا في العلم والقضاء والسياسة والخطابة والحكمة والأخلاق، وأصبح اسمه حاضرًا في كل طبقات الذاكرة الإسلامية.

ولعل أعظم ما في علي أنه لم يكن رجل مرحلة واحدة. فقد كان حاضرًا في مكة حين كان الإسلام دعوة، وكان حاضرًا في المدينة حين أصبح مجتمعًا، وكان حاضرًا في المعارك حين أصبحت الدولة مهددة، وكان حاضرًا في الحكم حين أصبحت الأمة ممزقة.

وهذا هو معنى الصحبة الحقيقية في نظري.

أن تكون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما يكون الطريق مجهولًا، وأن تكون معه عندما يصبح الطريق واضحًا، وأن تتحمل معه الألم عندما يكون المسلمون قلة، وأن تتحمل معه مسؤولية الدولة عندما يصبح الإسلام قوة.

علي لم يكن رجل لحظة واحدة، وإنما كان رجل الطريق كله.

ولهذا فإنني حين أستعيد صورته لا أراه فقط في آخر حياته وهو أمير المؤمنين، وإنما أراه شابًا يقف إلى جانب رسول الله صلى الله عليه وسلم في مكة، وأراه فارسًا في بدر وأحد والخندق وخيبر، وأراه زوجًا لفاطمة وأبًا للحسن والحسين، وأراه عالمًا وقاضيًا ورجل دولة، وأراه في النهاية إنسانًا حمل من أثقال التاريخ أكثر مما يمكن أن يحمله رجل واحد.

ذلك هو علي الذي أحب أن يبقى في الذاكرة.

علي الإنسان قبل علي اللقب، وعلي الفارس قبل علي الخليفة، وعلي الصديق قبل علي السياسي، وعلي الذي وقف مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يصبح اسمه جزءًا من صراعات المسلمين.

أما عنوان فاروق الأمة وصديقها فهو بالنسبة لي تعبير عن المعنى الذي تركه علي في الوجدان الإسلامي، لا محاولة لمصادرة لقب ارتبط بغيره. فالفاروق هنا هو الرجل الذي حاول أن يجعل الحق معيارًا فوق العصبية، وأن يجعل العدل فوق المصلحة، وأن يجعل الدين فوق السلطة.

لقد كان علي جزءًا من الجيل الذي حمل الإسلام من لحظاته الأولى إلى آفاق لم يكن أحد يتخيلها. وعندما ننظر إلى التاريخ بعد أكثر من أربعة عشر قرنًا ندرك أن ذلك الجيل لم يكن مجموعة أسماء في كتاب، وإنما كانوا بشرًا دفعوا ثمن الإيمان من حياتهم وأعمارهم وراحتهم، وكان علي واحدًا من أكثر هؤلاء الرجال حضورًا في قلب التجربة.

ولهذا فإنني لا أريد أن أرى عليًا من خلال عيون الخصومة، ولا من خلال الجدل الذي جاء بعده، ولا من خلال الكتب التي جعلت منه أحيانًا رمزًا لهذا الفريق أو ذاك.

أريد أن أراه كما كان.

ذلك الفتى الذي نام في فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يعلم أن السيوف قد تبحث عنه.

ذلك الشاب الذي بقي في مكة ليرد الأمانات.

ذلك الفارس الذي حمل الراية عندما احتاج الإسلام إلى رجل لا يتراجع.

ذلك العالم الذي كان العلم عنده مسؤولية لا زينة.

ذلك القاضي الذي ارتبط اسمه بالحكمة والعدل.

ذلك الزوج والأب الذي خرج من بيته جيل من أعظم أجيال الإسلام.

ذلك الخليفة الذي وجد نفسه أمام أمة أنهكتها الفتنة، ومع ذلك حاول أن يبقى وفيًا لما آمن به منذ البداية.

وهنا ربما نفهم لماذا بقي علي حاضرًا في الذاكرة الإسلامية حتى اليوم.

لأن بعض الرجال تنتهي حياتهم عندما يموتون، بينما تتحول حياة رجال آخرين إلى سؤال دائم للأجيال التي تأتي بعدهم.

كيف يمكن للإنسان أن يبقى وفيًا لمبادئه عندما يصبح الثمن غاليًا؟

كيف يمكن أن تحب دون أن تتحول المحبة إلى عصبية؟

كيف يمكن أن تكون قويًا دون أن تتحول القوة إلى ظلم؟

كيف يمكن أن تصل إلى السلطة دون أن تصبح السلطة هي غايتك؟

وكيف يمكن أن تمنح نفسك لقضية أكبر منك دون أن تنتظر مقابلًا؟

هذه الأسئلة هي التي تجعل سيرة علي حية.

ولهذا أقول إن عليًا ليس ملكًا لطائفة ولا لمذهب ولا لمدرسة فكرية وحدها.

علي جزء من الذاكرة الإسلامية كلها.

وإذا كان التاريخ قد جعل من اسمه ساحة للخلاف، فإن علينا نحن أن نعيده إلى مكانه الطبيعي في الذاكرة الإنسانية باعتباره رجلًا عاش من أجل قضية آمن بها، وحمل في سبيلها من الألم والخطر والمسؤولية ما يكفي ليجعل اسمه خالدًا.

هذا هو علي الذي أريد.

علي الذي عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن تعرفه كتب التاريخ.

علي الذي عاش معه قبل أن يصبح موضوعًا للجدل.

علي الذي فداه قبل أن يصبح رمزًا.

علي الذي حمل معه أعباء الدعوة قبل أن تحمل الكتب اسمه.

علي الذي لم يكن مجرد اسم في تاريخ الإسلام، بل كان جزءًا من صناعة ذلك التاريخ.

ولذلك حين أتذكره لا أبدأ بالخلافة ولا أنتهي بالفتنة، وإنما أبدأ بالفتى الذي اختار أن يبقى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما كان البقاء مخاطرة، وأتذكر الرجل الذي ظل يحمل ذلك الوفاء معه حتى آخر الطريق.

ذلك هو علي.

فاروق الأمة في معنى الحق والعدل.

وصديقها في معنى الوفاء.

وفارسها حين احتاجت إلى فارس.

وعالمها حين احتاجت إلى العلم.

ورجلها حين كانت تحتاج إلى رجل.

وعلي الذي لا تستطيع كتب التراث، مهما اختلفت رواياتها، أن تحجب إنسانيته، ولا تستطيع الخصومات، مهما طال عمرها، أن تمحو أثره.

فالتاريخ قد يختلف في الرجال، لكن المواقف الكبرى لا تكذب.

وعلي كان حاضرًا في المواقف الكبرى منذ بداية الحكاية حتى نهايتها.

التاريخ

عن الكاتب

المزيد من
المقالات