Reading in العربية (Arabic) | Read in English
في ” الشرق الأوسط ” لا تتحرك الجيوش فوق الأرض وحدها بل تتحرك معها ظلال الخوف وحسابات القوة وأسرار لا تكشفها البيانات العسكرية كاملة ، وحين تتحدث التقارير عن سحب الولايات المتحدة أفرادا من قواعد عسكرية في ” الأردن وقطر والكويت ” بالتزامن مع تقليص الوجود الدبلوماسي ، فإن السؤال يتجاوز عدد الجنود المغادرين إلى المعنى الكامن وراء هذه الخطوة ، ب : لماذا الآن ، وإلى أين تتجه القوات ، وما الذي تحاول واشنطن تجنبه في منطقة تتقاطع فيها احتمالات الحرب مع حسابات الردع؟
فالطالما بنت الولايات المتحدة حضورها العسكري في الشرق الأوسط باعتباره شبكة نفوذ تحمي المصالح وتراقب الممرات الاستراتيجية وتمنحها القدرة على التدخل السريع ، الا أن القواعد التي تمنح القوة امتدادا جغرافيا قد تتحول في لحظات التصعيد إلى أهداف ثابتة يسهل تهديدها ، ومن هنا تتجلى المفارقة ، فالقوة التي تسعى إلى حماية نفوذها قد تجد نفسها مضطرة إلى تقليص حضورها المباشر كي تحمي أدوات ذلك النفوذ من الاستنزاف ، لكن السؤال الأعمق في هذا المشهد هو : لماذا تسحب واشنطن قواتها ؟ ولا تكتفي بالمراقبة فقط !
ان الإجابة عن ذلك يكمن في ” إعادة تقييم المخاطر ” ، خصوصا في ظل التوترات المرتبطة بإيران والهجمات التي طالت منشآت ومصالح أمريكية في المنطقة ، فالحروب الحديثة لم تعد تقاس بحجم الجيوش وحدها بل بقدرة الصواريخ والطائرات المسيرة والحرب الإلكترونية على تجاوز المسافات الدفاعية ، وبذلك لم تعد القاعدة العسكرية ضمانة مطلقة للأمان بل أصبحت جزءا من معادلة أمنية تتغير باستمرار ، الا انه ومع ذلك لا يعني نقل القوات بالضرورة انسحابا استراتيجيا ، فقد يكون إعادة انتشار مؤقتة أو محاولة لتوزيع الأفراد والمعدات على مواقع أقل تعرضا للخطر ، أو تمهيدا لمراجعة أوسع لطبيعة الوجود الأمريكي الدائم ، أما وجهة هذه القوات فقد تشمل خيارات إعادة توزيع القدرات بين قواعد أخرى أو تعزيز الوجود البحري والجوي المتحرك ، بما يسمح لواشنطن بالحفاظ على قدرتها بالتدخل دون إبقاء جميع قواتها داخل مواقع مكشوفة ، كما وأن وراء هذه الحركة العسكرية حسابات سياسية اخرى أيضا ، فواشنطن تريد حماية جنودها وطمأنة حلفائها وتجنب الانجرار إلى مواجهة مفتوحة تتجاوز حدودها المتوقعة ، لهذا قد يكون تقليص الوجود في بعض المواقع وسيلة لاحتواء التصعيد مع إبقاء خيارات الرد قائمة ، وفي المقابل قد يتحول هذا الإجراء إذا استمر واتسع إلى جزء من إعادة صياغة طويلة الأمد للانتشار الأمريكي في المنطقة
ولا ننسى من تلك التحركات العسكرية اكتساب التحركات الدبلوماسية المتزامنة أهمية خاصة ايظا ، إذ يشير تقليص أعداد الموظفين غير الأساسيين وعائلاتهم في مناطق الشرق الأوسط إلى ارتفاع تقدير المخاطر الأمنية ، ليأتي السؤال الأخطر في ذلك : ماذا ينتظر الشرق الأوسط خلال الساعات المقبلة ؟ ، فعلى الرغم من أنه لا يمكن تحديد مسار الأحداث أو التنبؤ بموعد تصعيد عسكري حاسم اعتمادا على هذه التحركات وحدها ، الا ان المؤشرات التي تتمثل في اتساع عمليات نقل القوات ، وصدور تحذيرات أمنية جديدة ، وتحركات السفن والطائرات ، إلى جانب لغة التصريحات الدبلوماسية ، لم تقدم عليها واشنطن على عجالة في ساعات متسارعة من فراغ ، فاجتماع هذه الإشارات يوضح بأن ساعة الصفر قد تقرع في أي لحظة
وبذلك يكون السؤال الجوهري في تلك التحركات ، ب : كيف ستحافظ واشنطن على نفوذها في منطقة تتزايد فيها كلفة الحضور المباشر ؟ ، فالقوات قد تتحرك والقواعد قد يتغير دورها ، لكن المصالح الاستراتيجية والممرات البحرية وأمن الطاقة تظل عوامل تجعل الشرق الأوسط حاضرا في حسابات القوى الكبرى ، ولهذا فإن الانسحاب الصامت اليوم لا يعني إعلانا عن نهاية النفوذ الأمريكي بل محاولة لإعادة ضبط العلاقة بين القوة والمخاطر ، وما ستكشفه الساعات المقبلة فسيعتمد على الخطوات التالية التي ستقرع بها طبول الحسم ، لا على تحركات سبقتها مهما بدت دلالاتها ثقيلة ، ففي القرار السياسي العسكري المكان الذي تستعد منه الجيوش للعودة اهم بكثير من المكان الذي غادرته .




