ليبيا بين استعجال الانتخابات وخطر الاستقرار الهش
Spread the love

Reading in العربية (Arabic) | Read in English

من وجهة نظري فإن أكثر ما يلفت الانتباه في النقاش الدائر حول مستقبل ليبيا هو أن الجميع تقريبا يتحدث عن الانتخابات باعتبارها المخرج الوحيد من الأزمة بينما لا أحد يريد أن يواجه السؤال الأكثر صعوبة وهو ماذا سيحدث في اليوم التالي للانتخابات وهل تمتلك البلاد بالفعل الشروط السياسية والأمنية والمؤسسية التي تجعل نتائج الصندوق قابلة للتنفيذ والاستمرار. المواطن الليبي العادي الذي يتابع المشهد من خلال التصريحات والبيانات واللقاءات السياسية يرى أن الانتخابات تأخرت بما يكفي وأن استمرار المرحلة الانتقالية أصبح عبئا على الدولة والمجتمع وأن إجراء الانتخابات في أقرب وقت ممكن يمكن أن يعيد بعض الاستقرار إلى الحياة السياسية ويمنح الاقتصاد فرصة للخروج من حالة عدم اليقين ويفتح المجال أمام بناء مؤسسات شرعية تستطيع أن تتحمل مسؤولية إدارة البلاد. وهذا التصور ليس خاطئا بل هو انعكاس طبيعي لرغبة مجتمع أنهكته سنوات الانقسام السياسي وتعدد الحكومات وتضارب المؤسسات وتراجع الثقة في النخب السياسية ولذلك فمن الطبيعي أن ينظر المواطن إلى الانتخابات باعتبارها باب الخروج الأقرب من هذه الحالة.

لكن المشكلة تبدأ عندما ننتقل من زاوية المواطن إلى زاوية رجل الدولة الذي لا ينظر إلى الانتخابات باعتبارها مجرد يوم يذهب فيه الناس إلى صناديق الاقتراع وإنما باعتبارها عملية سياسية كاملة تبدأ قبل الاقتراع وتستمر بعد إعلان النتائج. من هذه الزاوية فإن إجراء الانتخابات بسرعة في بيئة ما زالت فيها لغة المغالبة حاضرة وموازين القوة قادرة على التأثير في القرار السياسي قد يؤدي إلى إنتاج استقرار مؤقت وهش بدلا من إنتاج دولة مستقرة. فالانتخابات لا تستطيع وحدها إنهاء الانقسام ولا تستطيع إجبار القوى التي ستخسر على قبول النتائج ولا تستطيع أن تمنع استخدام النفوذ السياسي أو الاقتصادي أو الأمني في مرحلة ما بعد الانتخابات إذا لم تكن هناك قواعد واضحة تحكم الجميع وتضمن أن الخلاف السياسي لن يتحول مرة أخرى إلى صراع على الأرض.

وهنا تحديدا يجب أن نفهم لماذا لم تصل ليبيا إلى الانتخابات حتى الآن. فالمشكلة لم تكن في عدم معرفة الليبيين بأهمية الانتخابات ولا في عدم وجود مفوضية قادرة من الناحية الفنية على تنظيمها وإنما كانت في غياب التوافق السياسي حول القواعد التي ستجري وفقها الانتخابات وحول شكل السلطة التي ستنتج عنها وحول الضمانات التي يمكن أن تمنع إعادة إنتاج الصراع بعد إعلان النتائج. انتخابات عام 2021 كانت المثال الأكثر وضوحا على ذلك فقد وصلت البلاد إلى أعتاب الاقتراع لكنها لم تتمكن من عبور المرحلة الأخيرة لأن الخلافات حول القواعد والمرشحين والسلطة التي ستتولى إدارة البلاد بعد الانتخابات تحولت إلى خلافات سياسية وقانونية عميقة انتهت بإجهاض العملية برمتها. ومنذ ذلك التاريخ أصبحت الانتخابات في الخطاب السياسي الليبي حاضرة بقوة في البيانات والتصريحات لكنها بقيت غائبة عن الواقع لأن القوى المتنافسة لم تتمكن من الاتفاق على معادلة تضمن لها جميعا القدرة على الاستمرار في المشهد السياسي بعد انتهاء المرحلة الانتقالية.

وفي هذا السياق يأتي اتفاق 4+4 باعتباره محاولة جديدة لإعادة تحريك المسار السياسي ووضع إطار يمكن من خلاله معالجة بعض العقد التي عطلت الانتخابات طوال السنوات الماضية. لكن أهمية الاتفاق لا تكمن فقط في الحديث عن الانتخابات وإنما في قدرته على خلق أرضية سياسية تسمح بإجراء انتخابات يمكن لجميع الأطراف التعامل مع نتائجها. فإذا بقي الاتفاق مجرد تفاهم سياسي دون ترجمة مؤسسية وقانونية ودون معالجة حقيقية لمسألة السلطة التنفيذية والضمانات الأمنية والقبول بنتائج الاقتراع فإن ليبيا ستجد نفسها أمام المشكلة نفسها التي واجهتها في السابق ولكن بموعد انتخابي جديد.

وهذا هو السبب في أنني أعتقد أن النقاش حول اتفاق 4+4 يجب ألا ينحصر في السؤال عما إذا كان الاتفاق سيقود إلى الانتخابات أم لا وإنما يجب أن يتجه إلى السؤال الأكثر أهمية وهو هل يستطيع هذا الاتفاق تغيير طريقة إدارة الصراع السياسي في ليبيا. فالانتخابات لا يمكن أن تكون نقطة نهاية إذا كانت الأطراف لا تزال تنظر إلى السلطة باعتبارها غنيمة سياسية واقتصادية وإذا كانت أدوات القوة قادرة على التدخل في تحديد موازين النفوذ. الدولة الحديثة تقوم على قاعدة بسيطة وهي أن السلطة تنتقل عبر المؤسسات وأن الخلافات السياسية تحسم من خلال القواعد وليس من خلال القوة. وفي ليبيا ما زال هذا المبدأ بحاجة إلى ترسيخ حقيقي قبل أن يصبح من الممكن الحديث عن انتخابات قادرة على إنهاء المرحلة الانتقالية.

إن الخطر الحقيقي لا يتمثل في أن يخسر طرف سياسي الانتخابات وإنما في أن يخسر ثم يرفض الاعتراف بالنتيجة ويمتلك في الوقت نفسه الأدوات التي تسمح له بتعطيل مؤسسات الدولة أو فرض واقع جديد. في الدول المستقرة توجد مؤسسات قادرة على حماية نتائج الانتخابات من أي محاولة للانقلاب عليها سياسيا أو أمنيا أما في ليبيا فما زالت الدولة نفسها جزءا من الصراع السياسي ولذلك فإن إجراء الانتخابات قبل معالجة هذه المسألة قد يؤدي إلى نتيجة عكسية تماما. يمكن أن ننتقل من انقسام سياسي قبل الانتخابات إلى انقسام سياسي أشد بعد الانتخابات إذا لم تكن هناك قواعد تجعل الجميع يدرك أن الصندوق هو الطريق الوحيد للوصول إلى السلطة وأن خسارة الانتخابات لا تعني خسارة الدولة ولا تعني إقصاء الطرف الخاسر من الحياة السياسية.

ولهذا فإن الدعوة إلى إجراء الانتخابات في أسرع وقت تحتاج إلى قدر من الواقعية السياسية. نعم ليبيا بحاجة إلى انتخابات عاجلة لأنها لا تستطيع الاستمرار إلى ما لا نهاية في المرحلة الانتقالية ولا يمكن بناء دولة مستقرة فوق مؤسسات مؤقتة ومتنازعة لكن الاستعجال في حد ذاته ليس ضمانة للنجاح. الانتخابات التي تأتي في بيئة غير مستقرة قد تمنح البلاد شرعية انتخابية مؤقتة لكنها قد لا تمنحها استقرارا دائما. والمطلوب ليس تأجيل الانتخابات حتى الوصول إلى توافق كامل فهذا أمر غير واقعي وربما يتحول إلى ذريعة جديدة للتأجيل وإنما الوصول إلى الحد الأدنى من التوافق الذي يجعل الانتخابات ممكنة وقابلة للاستمرار ويضمن أن جميع الأطراف ستتعامل مع نتائجها باعتبارها قاعدة جديدة لإدارة الدولة وليس مجرد نتيجة مؤقتة قابلة للطعن بالقوة.

ومن هنا أيضا يجب أن تتغير نظرة المجتمع الدولي إلى الملف الليبي. الضغط باتجاه الانتخابات أمر مهم لكنه لا يكفي. المجتمع الدولي مطالب بأن يضغط بالقدر نفسه من أجل خلق البيئة السياسية والأمنية التي تحمي نتائج الانتخابات وأن يوضح للأطراف الليبية أن استخدام القوة أو المؤسسات أو المال العام لرفض نتائج الصندوق لن يكون مقبولا. فالانتخابات التي لا تحظى بضمانات سياسية وأمنية حقيقية قد تتحول إلى مناسبة لإعادة إنتاج الأزمة بدلا من حلها.

وفي المقابل تتحمل النخب السياسية الليبية مسؤولية تاريخية أكبر من أي وقت مضى. لا يمكن لهذه النخب أن تستمر في الحديث عن الانتخابات بينما تبحث في الوقت نفسه عن الشروط التي تضمن بقاءها في السلطة أو تمنحها القدرة على تعطيل النتائج التي لا تتوافق مع مصالحها. كما لا يمكن استخدام الحديث عن المخاطر الأمنية والسياسية ذريعة مفتوحة لتأجيل الانتخابات إلى أجل غير معلوم. المطلوب هو التمييز بين التهيئة الضرورية للانتخابات وبين التعطيل المتعمد لها. التهيئة تعني بناء الضمانات والقواعد والمؤسسات أما التعطيل فهو إبقاء البلاد في حالة انتقالية لأن بعض الأطراف ترى أن مصالحها أفضل في ظل الوضع القائم.

في النهاية أعتقد أن ليبيا وصلت إلى لحظة لا ينبغي فيها أن يكون السؤال الأساسي هو متى ستجرى الانتخابات وإنما هل أصبحنا مستعدين للعيش مع نتائجها. هذا هو الاختبار الحقيقي لأي اتفاق سياسي جديد بما في ذلك اتفاق 4+4. فإذا كان الاتفاق قادرا على نقل البلاد من منطق المغالبة إلى منطق التنافس السياسي ومنطق القوة إلى منطق المؤسسات ومنطق الاحتفاظ بالسلطة إلى منطق تداولها فإنه يمكن أن يمثل خطوة حقيقية نحو إنهاء الأزمة. أما إذا بقيت المعادلة كما هي وظلت كل قوة سياسية تفكر في كيفية حماية مصالحها في حال خسارتها للانتخابات فإن تحديد موعد جديد للاقتراع لن يكون أكثر من تأجيل جديد للأزمة.

ليبيا لا تحتاج فقط إلى انتخابات سريعة وإنما تحتاج إلى انتخابات تستطيع أن تعيش نتائجها. وهذه هي المسألة التي يجب أن ينظر إليها رجل الدولة قبل المواطن والسياسي والمجتمع الدولي. فالاستقرار الحقيقي لا يبدأ من يوم الاقتراع وإنما يبدأ عندما تصبح إرادة الناخب أقوى من إرادة السلاح وعندما يدرك الفائز أن عليه احترام قواعد الدولة ويدرك الخاسر أن خسارته السياسية لا تعني نهايته ولا تمنحه الحق في إسقاط العملية برمتها. عندها فقط يمكن أن تتحول الانتخابات من محطة جديدة في مسلسل الانتقال السياسي إلى بداية فعلية لبناء دولة مستقرة وقابلة للاستمرار.

التاريخ

عن الكاتب

المزيد من
المقالات