من غابات طنجة إلى سبتة… عشرون عاما والسؤال لم يتغير
Spread the love

Reading in العربية (Arabic) | Read in English

لم أكتب عن الهجرة اليوم لأن هذا الملف تصدر عناوين الأخبار، بل لأنني عشته منذ بداياتي في الصحافة.

في عام 2003، عندما التحقت بجريدة الصباح المغربية، كانت أولى تحقيقاتي تقودني إلى أماكن بعيدة عن المكاتب وقاعات الندوات. كنت أقضي ساعات، وأحيانا أياما، بين الغابات المحيطة بميناء طنجة، أستمع إلى شباب وشابات يختبئون في انتظار فرصة لعبور البحر.

ولم تكن الغابات وحدها شاهدة على تلك الأحلام المؤجلة، بل كنت أتابع أيضا شبابا يجوبون شوارع سبتة ومحيط الميناء، يراقبون شاحنات النقل والبواخر، مترقبين أي فرصة قد تحملهم إلى الضفة الأخرى.

لم يكونوا بالنسبة إلي مجرد أرقام في التقارير أو إحصائيات عابرة، بل وجوها تحمل الخوف، والأمل، والحيرة، وأسئلة أكبر من أعمارهم.

وبحكم نشأتي في تطوان، كانت سبتة جزءا من تفاصيل الحياة اليومية. كبرنا ونحن نعرف الحدود، ونعرف العابرين، ونعرف كيف كانت المدينة تتنفس على إيقاع العلاقة مع الثغر المحتل، قبل أن تتغير الظروف، وتتبدل السياسات، وتصبح الحدود أكثر تعقيدا.

وبعد سنوات، وجدت نفسي أغطي واحدة من أكثر محطات هذا الملف قسوة، خلال محاولات العبور الجماعي لمهاجرين من إفريقيا جنوب الصحراء.

وفي خريف 2005، عادت حدود سبتة ومليلية إلى الواجهة في واحدة من أكثر المحطات قسوة في تاريخ الهجرة نحو أوروبا. كنت هناك، في قلب المشهد، في ليلة صعبة لم أتابعها من خلف الشاشة، بل وثقت ما رأته العين من لحظات إنسانية وأمنية بالغة التعقيد.

كانت ليلة اختلط فيها صوت الصراخ بوقع المواجهات، وبقيت صور أولئك الذين علقوا بين سياجين حدوديين شاهدة على مأساة تتجاوز الجغرافيا والسياسة.

رأيت آثار المواجهات، وأجساد عالقة بالسياج الحدودي، وسقوط قتلى ومصابين، ومئات الجرحى ينقلون على عجل، في مشهد اختلطت فيه المأساة الإنسانية بتعقيدات الملف الأمني.
قبل أن أتوجه إلى مستشفى سانية الرمل، حيث التقيت امرأة من إفريقيا جنوب الصحراء كانت تضع مولودها تحت حراسة أمنية مشددة بعد إصابتها أثناء محاولة العبور.

بعد تردد، وافقت على الحديث معي. لم تحدثني عن الحدود، ولا عن السياسة، ولا عن أوروبا. بل روت لي رحلة طويلة عبر دول عدة، بحثا عن زوج سبقها إلى الضفة الأخرى، وعن أمل كان بالنسبة إليها أكبر من الخوف.

خرجت يومها وأنا أدرك أن الهجرة ليست مجرد عبور للحدود، بل قصة إنسانية معقدة تبدأ قبل سنوات من الوصول إلى البحر.

واليوم، وبعد أكثر من عشرين عاما، أجد نفسي أتابع المشاهد نفسها، وإن تغيرت الوجوه، وتبدلت الظروف، وتعقدت الحسابات السياسية.

لكن السؤال الذي رافقني منذ أول تحقيق ميداني ما زال كما هو: كيف يصل الإنسان إلى قناعة بأن المجهول أرحم من الواقع الذي يعيشه؟

ما يحدث اليوم في سبتة لم يعد مجرد قضية حدود بين المغرب وإسبانيا. لقد تحول إلى حدث عالمي، تتناوله القنوات، وتحلله الصحف، وتدخل فيه قراءات سياسية متعددة.

وأصبح الشباب المغربي جزءا من خطابات تتجاوز بكثير قصتهم الحقيقية.

من حق الدول أن تحمي حدودها، ومن حقها أن تناقش سياسات الهجرة، لكن ليس من حق أحد أن يختزل شعبا كاملا في أزمة، أو أن يحول معاناة آلاف الشباب إلى مادة للتخويف أو للمزايدات السياسية.

وكان مؤلما لكثير من المغاربة أن يروا اسم بلدهم يتردد في بعض المنابر الإعلامية العالمية بهذه الصورة، لا لأننا نرفض مواجهة الحقيقة، بل لأننا نرفض أن تتحول الحقيقة إلى تعميم، وأن تتحول أزمة إلى هوية.

وفي الوقت نفسه، فإن الدفاع عن صورة المغرب لا يكون بالإنكار، بل بالشجاعة في مواجهة الأسئلة.

لا يمكن إنكار ما حققه المغرب من مشاريع كبرى، وبنية تحتية حديثة، واستثمارات وشراكات عززت حضوره الإقليمي والدولي. وهي مكتسبات حقيقية تستحق التقدير.

لكن كل مشروع تنموي يظل ناقصا إذا لم يشعر الإنسان بأنه جزء منه.

فالطرق والموانئ والمناطق الصناعية تبني اقتصادا، أما التعليم الجيد، والصحة، وفرص العمل، والعدالة المجالية، والإنصات إلى الشباب، فتبني الثقة. والثقة هي ما يجعل الشاب يفكر في بناء مستقبله داخل وطنه، لا في البحث عنه وراء البحر.

ولا يمكن اختزال حل ظاهرة الهجرة في المقاربة الأمنية وحدها، كما لا يمكن تحميل طرف واحد مسؤولية ملف معقد امتد لعقود. فالهجرة تتقاطع فيها عوامل اجتماعية واقتصادية وإنسانية، وتتطلب رؤية شاملة تجعل الوقاية من اليأس جزءا من بناء المستقبل، من خلال الاستثمار في الإنسان، وتعزيز الفرص، والاستماع إلى تطلعات الشباب.

إن الاستثمار في الإنسان ليس ترفا، وليس بديلا عن الاستثمار في البنية التحتية، بل هو الضمان الحقيقي لنجاحها.

فالأوطان لا تقاس فقط بما تشيده من مشاريع، بل أيضا بما تمنحه لمواطنيها من شعور بالكرامة، والانتماء، وإمكانية الحلم.

وربما لهذا السبب، لم يعد السؤال اليوم: كم شخصا حاول العبور؟

بل أصبح السؤال الأصعب:

لماذا لم يعد بعض الشباب يرون في أوطانهم المكان الذي يمكن أن تبدأ منه أحلامهم؟

نحن نؤمن بأن المغرب قادر.

قادر على حماية حدوده، وقادر على تعزيز مكانته الدولية، وقادر على مواصلة مساره التنموي.

لكنه سيكون أكثر قوة عندما يواصل الاستثمار في الإنسان بنفس الإصرار الذي يستثمر به في المشاريع الكبرى، لأنهما ليسا طريقين متوازيين، بل طريق واحد لا يكتمل أحدهما دون الآخر.

ففي النهاية، قد تنتهي هذه الأزمة، وقد تختفي من نشرات الأخبار، لكن ما يجب ألا يختفي هو هذا السؤال:

كيف نجعل شبابنا يرون في المغرب مساحة للحلم، قبل أن يصبح الرحيل هو الحلم الوحيد؟

التاريخ

عن الكاتب

المزيد من
المقالات